الرئيسية / مقالات / عودة الروح وغيبة الوعي

عودة الروح وغيبة الوعي

الرابط المختصر:

د. مصطفى الفقي – جريدة الخليجمصطفى الفقي

مازالت التفرقة بين مفهوم الثورة ومضمون الإصلاح غير واضحة لدى الأغلب الأعم من المعنيين بالحياة السياسية والشأن العام، ولقد طرح الموضوع نفسه عليّ شخصياً منذ سنوات وعندها أصدرت كتابي “من نهج الثورة إلى فكر الإصلاح” لأعالج فيه بوضوح الفروق الموضوعية بين الظاهرتين وخلصت بنتيجة مؤداها أن “الثورة” يجب أن تؤدي إلى “الإصلاح” وأن تهدف إليه وإلا أصبحت مجرد تغيير في جهاز السلطة القائمة أو انقلاب على رموز الحكم وإنهاء سيطرة جماعة على مقدرات الشعب .

فإذا كانت “الثورة” هي المظهر فإن “الإصلاح” يجب أن يكون هو الجوهر، ولعل مشكلتنا الحقيقية تكمن في أننا نستهلك الوقت في تجميل المظهر من دون أن نهتم بالمخبر أي أننا نستغرق في الوسيلة من دون أن نحقق الغاية، ولنا في هذا السياق بعض الملاحظات أهمها:
* أولاً: إن الثورة مثل العلاج الجراحي الذي يقوم على نظرية “البتر” والتخلص من مصدر الألم، أما الإصلاح فهو “علاج على البارد” من دون تدخل جراحي اعتماداً على “عقاقير” إصلاحية تقاوم الداء بصورة مضمونة وإن كانت على مسافات زمنية أوسع، وليس ثمة ما يمنع اللجوء إلى الأسلوبين معاً أي “الثورة” و”الإصلاح” إذ تتكفل الأولى بإنهاء الأوضاع القديمة وإسقاط النظم البالية، بينما يركز الثاني على بناء المستقبل وتشييد معالمه مع التخلص من آثار الماضي وتلافي خطاياه .
* ثانياً: أرى أن الثورة هي تلك الروح البريئة التي تتقمص جسد الأمة لتدفعها نحو الخلاص، بينما يكون “الإصلاح” بمثابة “العقل” الذي يفكِّر ويخطط وينفذ وهو أيضاً الذي يصنع “الوعي” الذي يتيح لأصحابه أن يروا الصورة من خارجها وأن يدركوا ما تحقق على أرض الواقع من خلال الإنجازات الملموسة، ومن هذا المنطلق فإن العلاقة الوثيقة بين الروح والجسد هي التي تشكل ما يمكن أن نسميه “وجدان الأمة” . فإذا كانت الأحداث توحي بصدام أو مواجهة بين القوى الأصلية والجماعات الوافدة، فإن الإصلاح كفيلٌ باستعادة الانسجام الاجتماعي وانصهار طبقات الأمة وفئاتها المختلفة نتيجة الإحساس المشترك بمعاناة الماضي وتطلعات المستقبل .
* ثالثاً: إن جزءاً كبيراً من المخاوف التي تنتاب الإصلاحيين تجاه الفعل الثوري إنما تصدر من الإحساس بحجم العواطف المكبوتة والمشاعر المضغوطة التي قد يؤدي انطلاقها فجأة إلى تلك الهزة العنيفة التي تكاد تصل إلى درجة “الزلزال”، ولعلنا نتذكر عظمة الشباب المصري الثائر في الثمانية عشر يوماً الأولى في ثورة 25 يناير وكيف تحدث العالم كله باحترامٍ شديد عن “الشعب المصري” وحضارته ومكانته وثورته، ونتذكر أيضاً كيف تغير الموقف وتبدلت الحال حينما ظهر الانفلات الأمني وغاب الاستقرار السياسي . لهذا فإن الثورة برغم شرف مقصدها ونبل أهدافها يمكن أن تتحول إلى حالة من الفوضى غير المتوقعة التي تطيح برامج الإصلاح بل وتعطل مسيرة الحياة حتى يتوقف الإنتاج وتتراجع معدلات النمو وتتراكم المشكلات الاقتصادية، فرغم أن “الجراحة” علاج جذري لكن نجاحها الكامل ليس مضموناً في كل الحالات، أما منطق “الإصلاح” فيقوم على حسابات دقيقة وبرنامج زمني مدروس لا يكون معرضاً لهزات عنيفة أو تقلبات مفاجئة، ورغم أن نتائجه قد تكون بطيئة إلا أنه يعبر في النهاية عن ضمير الأمة ووعي الشعب .
* رابعاً: إن دور “القوات المسلحة” المصرية تاريخياً له خصوصية مميزة على اعتبار أن الجيش المصري هو امتداد طبيعي لروح القرية والمدينة، وهو جيش وطني شارك عبر التاريخ في نهضة البلاد ورقيها، ولكن له في الوقت ذاته حساسية خاصة تعطيه درجة من التميز خصوصاً في الحياة السياسية، لذلك فإن ضمانات الإصلاح كفيلة بإيجاد التوازن المطلوب للدور العسكري في الدولة المدنية، وسوف يظل الجيش هو الرقم الصعب في الحياة المصرية ربما لعقودٍ قادمة، ولقد كان دور الجيش المصري في 1882 و1952 و1973 ثم 2011 و2013 دوراً حاسماً انحاز فيه لصفوف الجماهير وشارك في إصلاح الأوضاع ومواجهة الفساد والتخلص من الاستبداد .
* خامساً: إن الإصلاح هو عملية مستمرة تعيد إنتاج الوعي الوطني وإحياء التراث الجمعي، أما الثورة فهي اندفاع شريف لتحقيق إرادة شعبية ولا يتصور أحد أننا ننتقص من قدر الثورة بل إننا نراها أحياناً أمراً لا يمكن تفاديه بل ونشعر بأن غيابها كان يمكن أن يؤدي إلى انتكاسة وطنية لا يعلم مداها إلا الذين يدركون انفعالات الشعوب والفوران الشعبي الذي يطيح أحياناً كيان الدولة ويشدها سنواتٍ طويلة إلى الوراء، وبينما يعتمد الإصلاح على التعليم والبحث العلمي فإن رصيد الأمة منه يتحدد بعقول أبنائها وخبراتهم في المجالات المختلفة، ذلك أن من يحاولون الإصلاح إنما يعتمدون بالضرورة على صياغة مشروعٍ وطني يقوم على رؤية بعيدة ويتصور مجتمع المستقبل ويحدد الأهداف المطلوب تحقيقها على المدى القصير والمدى الطويل أيضاً، أي أن عنصر الزمن وحالة التدرج يدخلان معاً في جانب كبير من تحديد قيمة السياسات الإصلاحية وكسر الحلقة الشريرة للتخلف السياسي والتدهور الاقتصادي والتراجع الثقافي .
. . ليس في هذه الملاحظات التي سبقت شبهة في اتجاهٍ معين دون غيره، كما أننا لا نستطيع أن نقلل من قيمة الثورات وتأثيرها في حياة الأمم والشعوب، بل إننا لا نغالي إذا قلنا إن بعض الثورات قد تركت أثراً ضخماً في التاريخ الإنساني كله، وهل ينكر أحد تأثير “الثورة الفرنسية” في الفكر السياسي المعاصر؟ وهل يخفى علينا ما تركته “الثورة الروسية” على القارة الأوروبية بل والعالم كله؟ إننا مطالبون وفقاً لذلك بإدراك المضمون الفكري للثورات وأهميته في دفع المجتمعات إلى الأمام، إننا إذا كنَّا نتحمس للإصلاح بصورة شاملة فإننا لا نختلف مع منطق الثورة وقدرتها على تحريك المسيرة الوطنية إلى المستقبل في مجالاته المختلفة، إننا نقول ذلك ونحن ندرك طبيعة الأوضاع في مصر حالياً بعد ثورتين شعبيتين تحتاجان إلى تعزيز قوي يتأتى بمسيرة إصلاحٍ ظافرة تحمي الثورة وتدافع عن مصالح الشعب وتصون الأمن القومي، فإذا كانت الروح قد عادت إلى الجسد المصري بعد 25 يناير 2011 فقد حان الوقت لعودة الوعي للعقل المصري بعد طول غياب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

خليل حسين

خليل حسين يكتب: العقوبات الأمريكية على إيران والاتفاق النووي

خليل حسين من الواضح أن ثمة مؤشرات تصعيدية واضحة في العلاقات الأمريكية ...