الرئيسية / مقالات / هل تُستأنف الحرب الباردة؟

هل تُستأنف الحرب الباردة؟

الرابط المختصر:

فيصل جلول – جريدة الخليج

فيصل جلول

هل يشهد العالم حرباً باردة جديدة؟ لا يتردد ميخائيل غورباتشوف آخر زعيم سوفييتي قبل سقوط جدار برلين بالقول إنها “بدأت بالفعل”، وإنه بدل من جدار برلين واحد هناك من يسعى إلى إقامة جدران عديدة في أكثر من منطقة في العالم . ويلاحظ غورباتشوف الذي استضيف في برلين نهاية الاسبوع الماضي بمناسبة مرور ربع قرن على انهيار الجدار الأشهر في القرن العشرين يلاحظ أن خطر الحرب بين الأقطاب مازال قائماً، وحذر من أن استقرار أوروبا وأمنها رهن بالتعاون الروسي الغربي وليس بالوسائل المتبعة في أوكرانيا، “حيث يتم حفر هوة عميقة بين الطرفين”، ويفسر السلوك الغربي في حديث أدلى به للإذاعة والتلفزيون السويسري للمناسبة بالقول إن “الغرب مقتنع بأنه ربح الحرب الباردة، في حين أن أحداً لم يربحها منفرداً، فنهايتها كانت ربحاً للجميع” . ويعرج الزعيم السوفييتي على الحلف الأطلسي فيقول إنه أداة من أدوات الحرب الباردة الجديدة، ويختم بتحية الرئيس بوتين، معتبراً أنه الأفضل للدفاع عن المصالح الروسية، وأن سياسته قد تنطوي على ما يمكن نقده، لكنه لن يفعل ولن يشجع أحداً على ذلك .
أن يأتي إعلان الحرب الباردة الجديدة على لسان الزعيم الذي تسبب بزوالها في القرن العشرين أمر يثير الفضول، وبالتالي البحث عما إذا كانت تصريحاته ناجمة عن ضيق روسي بالتدخل الغربي في أوكرانيا أم عن تصور لدى القيادة الروسية قررت الكشف عنه عبر الرمز الأهم من رموز تلك الفترة، ذلك أن غورباتشوف لا يطلق الكلام على عواهنه، ومن الطبيعي أن تكون تصريحاته منسقة مع الإدارة الروسية .
الراجح أن هذه التصريحات تتناسب تماماً مع الضيق الروسي الذي تم التعبير عنه في عدة مناسبات حول عدد من القضايا الخلافية الأساسية، ومن بينها الآتي ذكره:
* أولاً: يتصل بالحلف الأطلسي، فقد تساءل الروس مراراً عن جدوى بقاء هذا الحلف على قيد الحياة وهو الذي أقيم من أجل مواجهة حلف وارسو الشيوعي، فلماذا يبقى طالما أن الحرب الباردة انتهت وانتهى معها حلفها الماركسي؟ فإذا كانت نهاية تلك الحرب قد جلبت السلام إلى الجميع فما الذي يدفع الغرب إلى الاحتفاظ بتلك الأداة التي عاد أصحابها لاستخدامها على حدود الاتحاد الروسي في حدائقه الخلفية في آسيا الوسطى وأوروبا الشرقية، علماً أن الأطلسي لم يشهد تغييرات جوهرية وحافظ على عقيدته من دون توجيه العداء لروسيا كما كانت الحال من قبل . أما عن زعم الغربيين بأن الحلف قائم لمواجهة الإرهاب والدول المارقة وتوفير الأمن للحلفاء، فهو لم يقنع الروس تماماً، ولم يخفف من قلقهم حول أغراضه غير المعلنة والتي لمح غورباتشوف إلى بعضها .
* ثانياً: عارض الروس بقوة مشروع الدرع الصاروخية الأمريكية التي أريد نصبها في بولندا وبعض دول أوروبا الشرقية، بداعي حماية القارة العجوز من الإرهاب ومن الخطر الإيراني، واعتبروا أن المشروع موجه ضدهم، وأنهم لن يسكتوا عنه، وإن اقتضى الأمر سينشرون صواريخهم في لسان كالينغراد التابع لهم داخل المناطق الواقعة في قلب الجانب الغربي من القارة، وقد بيّن الروس مراراً أن الخطر الإيراني مستبعد، وإن وجد فهو مشترك بين روسيا والغرب، ودعوا الغربيين من دون جدوى إلى العمل معاً في نصب وسائل حماية مشتركة .
* ثالثاً: اشتكى الروس مراراً من اعتماد الغربيين تحليلاً يقول إن موسكو خسرت الحرب الباردة، وإن عليها أن تقبل بتمدد الأطلسي على حدودها وبخاصة في جورجيا وأوكرانيا، فالمهزوم يرضخ لإرادة المنتصر، ولا يعترض على خياراته، ولأنهم لم يقتنعوا يوماً بهذه الفرضية فقد لقنوا جورجيا درساً قوياً عندما تمادت في تحديهم مستقوية بالغرب، وها هم اليوم يعاقبون أوكرانيا للأسباب نفسها تارة عبر ضم شبه جزيرة القرم، وتارة أخرى عبر إثارة الشرق الأوكراني على الحكومة المركزية، وتارة ثالثة عبر الضغط بسلاح الطاقة . ولعل حفر الخنادق على حدود الشرق الأوكراني بين المتقاتلين هو المثال الأوضح على مصير أوكرانيا التي صارت قسمين على أرض الواقع، قسم يقع تحت النفوذ الغربي وقسم آخر يقع تحت النفوذ الروسي .
* رابعاً: إذا انتقلنا من الأزمة الأوكرانية إلى الشرق الأوسط، فإننا نلاحظ أنه كان أحد أهم مسارح الحرب الباردة، ونلاحظ أيضاً أن الروس والصينيين معهم قد استخدموا لأكثر من مرة “الفيتو” في مجلس الأمن خلال طرح الأزمة السورية على مداولاته، علماً أن المرة الأخيرة التي استخدم فيها الروس هذا السلاح الدبلوماسي كانت خلال الحرب الباردة، الأمر الذي يعزز استنتاج غورباتشوف بعودة هذه الحرب وبإقامة جدران بالجملة في سياقها .
* خامساً: الإعلان عن سباق تسلح جديد بين الطرفين، الأمر الذي يقطع مع سنوات طوال عرفت تخفيض موازنات الدفاع وتفكيك شبكات الصواريخ وتدمير بعض أنواع الأسلحة . والمعروف أن سباق التسلح كان الوجه الأبرز في تلك الحرب .
على الرغم من قوة وأهمية الأدلة المذكورة حول احتمال نشوب حرب باردة جديدة، فإن مؤشرات قوية مضادة لا تسمح بالحديث عن استئنافها ومن بينها التعاون الروسي الأمريكي الإيجابي في العديد من الملفات، وامتناع موسكو عن الاستثمار في أزمات مستفزة لأمريكا وبخاصة في أمريكا اللاتينية، فضلاً عن فقدان العنصر الأهم في الحرب الباردة وهو إيديولوجياتها . فالروس صاروا غربيين في اقتصادهم ومجتمعهم وثقافتهم الاستهلاكية، وإذا كانت الحرب الباردة قد انطوت على استراتيجيتين وإيديولوجيتين لتغيير العالم، فإن الروس تبنوا الوجهة الغربية في الحياة، ولكن ليس بوصفهم مهزومين، وإنما باعتبارهم رابحين، كما قال غورباتشوف .
يفضي ما تقدم إلى خلاصة تقول إن التنافس الروسي الغربي الحاد هو أقل من حرب باردة كلاسيكية، ولكنه أكثر من تنافس طبيعي في معسكر واحد، وهذه المعادلة لا تخفف من خطر الحرب على الاستقرار العالمي، بل تزيده قلقاً واضطراباً.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جوزيف ليبرمان

جوزيف ليبرمان و مارك والاس يكتبان: كيف ينبغي على ترامب أن يعيد التفاوض حول الاتفاق النووي

جوزيف ليبرمان و مارك والاس مثل الرئيس الأميركي المنتخب، دونالد ترامب، عارضنا بشدة ...