الرئيسية / مقالات / اليهود والتراث الإسلامي.. وجذور النهضة

اليهود والتراث الإسلامي.. وجذور النهضة

الرابط المختصر:

حسن حنفي- الاتحاد

 

استطاع التراث الإسلامي احتواء ما تبقى من خصوصية يهودية داخل بنائه العام، وأصبح من السهل المقارنة بين الحالة الخاصة والبناء العام والحكم عليهما والانتساب إلى العام دون الخاص. ففي علم أصول الفقه رفض الفقهاء شرع من قبلنا باعتباره أحد مصادر الشرع، سواء من توراة موسى أو شريعة عيسى. فالشريعة قد تطورت، والشريعة الإسلامية آخر مراحلها، في حين أن عقيدة التوحيد واحدة منذ آدم حتى محمد. وفي علم أصول الدين رفض العلماء التشبيه والتجسيم، وتحدثوا عن اليهودية ضمن الفرق غير الإسلامية. وتم إخضاع نصوص التوراة للنقد التاريخي كما فعل ابن حزم، وظهرت الكتابات العديدة في الرد على اليهودية. وقد رفض المتكلمون قصر النبوة على اليهود وحدهم، كما فندوا إنكار اليهود للنسخ دفاعاً عن اليهودية وإنكاراً للإسلام، لأن النسخ ثابت في الشريعة ولأن التطور واقع فيها. كما فند المسلمون آراء الباطنية والشيعة وكل الفرق التي دسها اليهود في الإسلام لهدمه من الداخل والتشويش على عقائده. وفي الفلسفة تمثل «إخوان الصفا» اليهودية، ووضعوها في إطار البناء العام مع كل الشرائع والديانات مادام الإسلام دين العقل، ودين الطبيعة. وفي التصوف احتوى الصوفية المسلمون كل أنواع التصوف السابقة، دون تمييز لواحد على الآخر. وفي العلوم الطبيعية كان الأطباء اليهود يعملون في الدولة الإسلامية ويعالجون خلفاءها، ويعيشون في بلاط الأمراء وينالون كل تقدير واحترام.

لم يتبق من التراث اليهودي إلا النزعة الشاملة، والتي ظهرت على نسق البناء الإسلامي العام والتصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان والمجتمع والتاريخ. وقد اتضح ذلك في العصر الذهبي للتراث اليهودي خاصة في الأندلس عندما عاشوا في كنف المسلمين يحميهم الإسلام ويحافظ على تراثهم حتى لقد تحول بعضهم إلى الإسلام ديناً بعد أن تشبع به ثقافة وعاشه حضارة، ودافعوا عن النزعة الشاملة التي تجمع اليهودية والمسيحية والإسلام، وفندوا النزعة اليهودية الخاصة التي تنكر المسيحية والإسلام. ونشأ لأول مرة في تاريخ اليهود علم الكلام اليهودي العقلاني معتمداً على الحجج والبراهين، على غرار علم الكلام الإسلامي، ومكتوباً باللغة العربية. ونشأت الفلسفة اليهودية على نسق فلسفات المسلمين عند الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد، حتى أنه ليصعب التفرقة بين ابن ميمون وابن رشد، فكلاهما في قرطبة، يدرسان في المعبد أو المسجد، يتحاوران أمام جمهور واحد، ويعمل ابن ميمون طبيباً لصلاح الدين، قاهر الصليبين. ويعرف ابن ميمون نفسه بأنه الحكيم الفيلسوف القرطبي الأندلسي، أي بالفكر العام وبالمكان وليس الحبر اليهودي. وكان سليمان بن جبرول تلميذ الفارابي، يرد مثله على الفلسفة اليونانية، ويقبل منها مثله ما يتفق مع العقل. ونشأ التصوف اليهودي في الأندلس، كما ظهر علم أصول الفقه اليهودي وموضوعات الاستدلال والقياس والصلة بين الأصول والفروع. كما نشأ النحو العبري على منوال النحو العربي، وظهرت قواميس اللغة العبرية على منوال قواميس اللغة العربية، واشتغل اليهود لأول مرة بالعلوم الطبيعية والرياضية، وظهر بينهم العلماء والأطباء والرياضيون.

وظل الحال كذلك إلى أن ضاع حكم المسلمين في الأندلس واسترجعها النصارى في بداية الغزو الاستعماري الأوروبي، فوقع أبشع اضطهاد لليهود (وللمسلمين أيضاً بطبيعة الحال)، فضاع التراثان الإسلامي واليهودي إبان الحكم المسيحي لإسبانيا، وانتقلا إلى المغرب لتدوينه هناك. وما أن هيمن الغرب الاستعماري الجديد على المناطق الحضارية في الأندلس حتى بدأت نهضة الغرب الحديثة. وكان اليهود والمسيحيون الإسبان قد قاموا من قبل بترجمات أمهات التراث الإسلامي إلى اللغة اللاتينية في الفلسفة والكلام والعلوم الرياضية والطبيعية فقامت نهضة الغرب الحديثة.

وفي القرن السابع عشر، بدأت آثار العقلانية الإسلامية، فظهرت العقلانية اليهودية تؤكد النزعة الشاملة، كما هو الحال عند اسبينوزا وكأنه معتزلي. وفي القرن الثامن عشر ظهر التنوير اليهودي عند مندلسون وكأنه فيلسوف إسلامي يؤكد صفة العمومية للتراث والشمول للروح الإنساني، واضعاً حداً للخصوصية اليهودية والانعزالية في السلوك. وقد توجت الثورة الفرنسية ذلك بإعلان وثيقة التحرر العام لليهود كمواطنين لهم ما لغيرهم من حقوق وواجبات دون ما تمييز في دين أو عقيدة، باسم الحرية والإخاء والمساواة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جوزيف ليبرمان

جوزيف ليبرمان و مارك والاس يكتبان: كيف ينبغي على ترامب أن يعيد التفاوض حول الاتفاق النووي

جوزيف ليبرمان و مارك والاس مثل الرئيس الأميركي المنتخب، دونالد ترامب، عارضنا بشدة ...