الرئيسية / مقالات / هل يمتلك «حزب نداء تونس» البرنامج الواقعي للاقتصاد؟

هل يمتلك «حزب نداء تونس» البرنامج الواقعي للاقتصاد؟

الرابط المختصر:

توفيق المديني- المستقبل

لم تحتل المسألة الاقتصادية حيزاً كبيراً في برامج الأحزاب السياسية خلال الحملة الانتخابية سواء منها التشريعية التي انتهت بفوز «حزب نداء تونس» الذي يمتلك تصوراً ليبرالياً للاقتصاد، أم في الانتخابات الرئاسية التي ستجرى يوم 23 نوفمبر الجاري. والسبب في ذلك، أنه خلال حكم الترويكا السابقة، هيمن على المشهد السياسي التونسي موضوع الإرهاب التكفيري وتداعياته الأمنية والسياسية والمجتمعية، على استقرار البلاد، وعلى تغيير النموذج المجتمعي التونسي المنفتح على الحداثة الغربية، والليبرالي، الأمر الذي جعل الشعب التونسي برمته يشعر بغياب وفقدان هيبة الدولة التونسية، ويطمح قبل كل شيء إلى تحقيق الاستقرار، والمحافظة على النموذج المجتمعي التونسي المعتدل والوسطي المهدد من قبل حكم حركة النهضة، وهذا ما فهمه والتقطه زعيم حزب نداء تونس السيد الباجي قائد السبسي، حين ركز في حملته الانتخابية على موضوع استعادة هيبة الدولة بوصفه الموضوع الذي يحتل صدارة انتظارات التونسيين.

تونس خلال الثورة، وفي ظل السنوات الثلاث من حكم الترويكا، تعيش في ظل مكسب واحد ووحيد ألا وهو تعميم الفقر والبؤس على الجميع، لا سيما بالنسبة للطبقات الشعبية، وحتى الطبقة المتوسطة، بسبب التهاب الأسعار، وتدهور القدرة الشرائية، واستفحال البطالة، والتفاوت الجهوي (المناطقي)، وازدياد المديونية، وانخفاض قيمة الدينار، وتناقص الموارد الجبائية. فالدولة التونسية في ظل حكم الترويكا انقسمت إلى دولتين داخل الدولة الواحدة، دولة مارقة وفقاً للتوصيف الأميركي تعتمد على اقتصاد التهريب، والتعليم الموازي، والأمن الموازي، والجيش الموازي، بحكم هيمنة حركة النهضة على مفاصل الدولة. وهناك ودولة أخرى فاشلة لا تريد أن تطبق القانون على الجميع، وهي غير قادرة على حماية نفسها من عدوان الإرهاب التكفيري المحمي من قبل الإسلام السياسي. فعاش الشعب التونسي في ظل كابوس الإرهاب، والخوف من الانهيار الكامل للدولة، وهذا ما جعل المجتمع المدني التونسي الذي يمتلك شخصية قوية يتصدى بقوة لهذا السيناريو الكارثي، ويحد من تداعياته الخطيرة، ويعبد الطريق لإجراء انتخابات ديمقراطية ناجحة.

فيما يتعلق بالنموذج الاقتصادي التونسي الذي خضع لبرنامج الإصلاح الهيكلي وفقا لوصفات صندوق النقد الدولي في أواسط الثمانينيات من القرن العشرين، وسار في طريق «توافق واشنطن» في أواسط التسعينيات، بوصفه مذهباً اقتصادياً ليبرالياً يقوم على فلسفة التقشف، والتخصيص، والتحرير، والانضباط في الموازنة، والإصلاح الضريبي، وتخفيض النفقات الحكومية العامة، وتحرير المبادلات التجارية والأسواق المالية، فقد قاد هذا النموذج الاقتصادي إلى حدوث كارثة بالبلاد.

لقد أدّى النموذج الاقتصادي التونسي إلى سيادة أنماط بائسة من التشغيل، لا سيما نمط التشغيل بالعقود ذات المدد المحدودة، كما يسمّيه الفرنسيون، حيث تؤكد التقارير التونسية أن ما يفوق 50 بالمئة من العاملين في قطاع السياحة يخضعون لهذا النمط الرديء من للتشغيل، والشيء عينه تقريبا في مجال الخياطة، إذ تكون الأجور متدنية جداً، إضافة إلى غياب الضمانات الاجتماعية.

وفضلاً عن ذلك، لما كان الاقتصاد التونسي في جوهره معداً للتصدير للسوق الأوروبية، فإنه مع اندلاع الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية التي ضربت بقوة الولايات المتحدة الأميركية وبلدان الاتحاد الأوروبي، تراجعت الصادرات التونسية بصورة كبيرة، وتراجع الطلب الداخلي، وقاد هذا الوضع إلى الركود الاقتصادي.

بشهادة كبار الخبراء في الاقتصاد سواء من الدول العربية أو من الدول الغربية، يعتبر النموذج الاقتصادي التونسي هجيناً بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى دقيق، فهو ليس نموذجاً رأسمالياً خالصاً على الطريقة الغربية خاضعاً لقانون السوق، بل هو نموذج خضع طويلاً لقانون المافيا الاقتصادية المهيمنة على الاقتصاد التونسي في عهد سيطرة عائلة الرئيس المخلوع بن علي وزوجته من آل الطرابلسي، حيث طبقت هذا المافيا الاقتصادية قانونها الخاص بدلاً من القانون، لتتحول تونس طيلة العقدين الماضيين إلى ما أشبه بالعيش في العصور الإقطاعية، لا في عصر العولمة الليبرالية كما يدعي النظام السابق.

ومع ذلك، هل يمتلك حزب نداء تونس، الذي سيقود الحكومة المقبلة البرنامج الواقعي لقلب الأوضاع الاقتصادية رأساً على عقب في فترة برلمانية أو رئاسية واحدة، يفترض أن تشهد إنجاز الإصلاحات الهيكلية الضرورية لتغيير نموذج التنمية لما يعنيه ذلك من تغييرات موجعة وعميقة، لا يكتب لها النجاح إلا إذا صدرت عن وفاق وطني شامل؟

في هذا المجال أكد رئيس اللجنة الوطنية الاقتصادية والاجتماعية « لحزب نداء تونس«، سليم شاكر، أن البرنامج الاقتصادي والاجتماعي للحزب «يتميز بخلق منوال تنموي جديد يقوم أساساً على التكنولوجيا والقيمة المضافة في المنتوجات التونسية والخدمات» على حد تعبيره. وقال إن نجاح هذا المنوال التنموي الجديد، يتطلب إرجاع الأمن والطمأنينة للشعب التونسي، وتفعيل اللامركزية في القرار، وتعصير البنية التحتية، والاستثمار في الموارد البشرية، وإحداث بنك لتنمية الجهات. وأضاف أن البرنامج الاجتماعي للحركة يعمل على تفعيل العقد الاجتماعي، والرفع من المقدرة الشرائية للمواطن، وفرض التغطية الصحية للجميع، مع تأهيل قطاع الصحة العمومية، وبعث منظومة للتأمين ضد فقدان الشغل، فضلا عن الاهتمام بذوي الاحتياجات الخصوصية، ومقاومة التمييز ضد المرأة، ودعم البحث العلمي.

يرث حزب نداء تونس تركة ثقيلة وأخطاء جسيمة ارتكبتها حكومات الترويكا المتعاقبة منذ نهاية عام 2011 ولغاية 2014، لكي تتجلى أمامنا صورة قاتمة عن الإفلاس الحقيقي لهذا النموذج الاقتصادي التونسي الذي تمسكت به حكومات الترويكا بقيادة حركة النهضة الإسلامية، حيث أن تونس أصبحت في الوقت الراهن باركة اقتصادياً بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى دقيق. ويتمثل هذا الإفلاس في الحقائق التالية:

الحقيقة الأولى: على مستوى النمو يمكن أن يبلغ نسبة 2.3% في منتصف السنة الحالية حسب تقرير البنك العالمي الصادر في 25ماي 2014، تحت عنوان «الثورة غير المكتملة». اما تقرير البنك المركزي، فإنه يقول أن القطاع الخارجي يعاني من عجز قياسي بلغ على مستوى الدفوعات5843 مليون دينار بزيادة 35.5% خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة الحالية، وهو ما يعادل 7.1% من الناتج الداخلي الخام، نظراً لتسجيل الميزان التجاري لحاصل سلبي تطور بنحو 20.6% ليصل إلى نحو 11.78 مليار دينار خلال سنة 2014، بينما كان العجز في الميزان التجاري بنحو 9.9 مليارات دينار في 2013، والأمر عينه في سنة 2012.

الحقيقة الثانية: على صعيد العملة الوطنية، فقد تراجع الدينار في غضون سنتين بنحو 17%، مقابل اليورو (1يورو يساوي 2.2 دينار تونسي)، و7.2 مقابل الدولار الأميركي (1دولاريساوي 1.8 دينار تونسي ).

الحقيقة الثالثة: في عهد الترويكا السابقة، تطور ما يسمى الاقتصاد الموازي، وفاقت معاملاته 53.5% من إجمالي التداولات التجارية. وتقف وراء الاقتصاد الموازي العصابات المنظمة المحمية من قبل جهات سياسية نافذة في الحكم، فأدّى هذا الوضع إلى تضخم هذا الاقتصاد الموازي الذي أصبح يستقطب في عهد الترويكا 42.% من اليد العاملة، ويساهم في إضعاف الإيرادات الجبائية بأكثر من 32%، وهو ما يعادل 6مليارات مليون دينار حسب تقديرات الجهات الرسمية.

الحقيقة الرابعة: في عهد حكم الترويكا، أغلقت 3742 مؤسسة أبوابها وغادر أكثر من 1200 مستثمر تونسي وأجنبي البلاد في ظل وجود عدم الاستقرار.

الحقيقة الخامسة: ارتفاع نسبة البطالة من 15% في سنة 2010 إلى 23% في سنة 2013، فبلغ عدد العاطلين عن العمل مليون شخص، منهم 250 ألفا من حاملي الشهادات الجامعية. كما فقدت تونس خلال هذه الفترة أكثر من 230ألف موطن شغل نتيجة تراجع الاستثمار بنحو 28%.

الحقيقة السادسة: تجاوز الديون الخارجية حوالي 17 مليار دولار، ليصل مؤشر الدين الخارجي حاليا إلى نحو 52.3% من الناتج المحلي الخام، ليتجاوز بذلك مرتين إيرادات البلاد من العملة الصعبة، وازدياد نسبة الفقر من 15.5% سنة 2009 إلى حوالي 30% في الوقت الراهن.

الحقيقة السابعة: تجاوز الثروة المنهوبة في تونس من قبل الرئيس المخلوع وزوجته، وأقربائهما البالغ عددهم 110 اشخاص، نحو 10 مليارات دولار، حسب التقرير الذي أصدرته لجنة مكافحة الفساد في تونس التي يرأسها عبد الفتاح عمر. ويعادل هذا المبلغ الضخم المبلغ عينه من الديون الخارجية للدولة التونسية في سنة 2010. وإذا كان من السهل جداً على الدولة التونسية أن تصادر أملاك هذه المافيا الاقتصادية في داخل تونس بموجب القرار الذي اتخذه مجلس الوزراء في اجتماعه في تونس 25 في شباط2011، فإن الأموال التونسية المنهوبة والمودعة في البنوك الأجنبية، تحتاج إلى إجراءات قانونية معقدة، وإلى دعاوى قضائية تطول سنوات.

ورغم أن الثورة التونسية شكلت منارة حقيقية «لربيع الثورات الديمقراطية« التي شهدها العالم العربي، فإنها لم تقم بتغيير الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية في تونس، وإطلاق نموذج جديد من التنمية فهل نستطيع ذلك؟!

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

د. عبدالله محمد الشيبة

د. عبدالله محمد الشيبة يكتب: وسائل التواصل الاجتماعي والمصداقية

د. عبدالله محمد الشيبة لا يختلف اثنان أن الحقبة الحالية تسيطر عليها ...