الرئيسية / مقالات / الاستقلال : من البيان .. إلى التجسيد !!

الاستقلال : من البيان .. إلى التجسيد !!

الرابط المختصر:

هاني حبيب – الأيام الفلسطينية

كان السؤال ولا يزال مطروحاً، منذ العام 1988، وتحديداً لدى إعلان الرئيس عرفات “إعلان الاستقلال” في قصر الصنوبر في العاصمة الجزائرية، والسؤال ليس كأي سؤال، كونه يتعلق بشعب ووطن محتل، واستقلال رمزي، يشير إلى حد كبير، الى ما قامت عليه بعض حركات التحرير، عن إعلان “حكومة مؤقتة” في بلد ضيف، القيادة الفلسطينية، رغم استضافة أكثر من قطر عربي للثورة الفلسطينية، كلبنان وتونس، لم تشأ أن تعلن عن حكومة مؤقتة، في وقت كانت منظمة التحرير الفلسطينية هي المعبر الحقيقي عن مثل هذه الحكومة، ولعبت منظمة التحرير الفلسطينية دوراً رئيسياً في أن تشكل الوطن الرمزي لكل الفلسطينيين أينما كانوا، أكبر من حكومة مؤقتة وأقل من دولة مستقلة، من هنا جاء إعلان الاستقلال الذي رسمه شاعر فلسطين الكبير محمود درويش بخطه وفكره المنسجم مع الإرادة الوطنية الفلسطينية في مرحلة بالغة الدقة والخطورة.
حاولت إعادة قراءة بيان الاستقلال من جديد، وشعرت مجدداً أن هذا البيان يؤسس لاستقلال حقيقي، إذا ما تم العمل على تحويله إلى سياسة فاعلة، فالبيان ليس مجرد “إعلان” بقدر ما هو “دستور” لدولة حرة ديمقراطية، وبالمقارنة مع الدساتير العربية، قبل الربيع العربي وبعده، فإن المضمون الدستوري لإعلان الاستقلال الفلسطيني يرتدي تفوقاً واضحاً محدداً في كافة عناوين الديمقراطية وحقوق الإنسان والفئات الاجتماعية، والمرأة والشباب والمستقبل، إعلان يليق بفلسطين وثورتها وشهدائها وأسراها ومقاتليها، وأكثر من ذلك، فإن نبرة الرئيس عرفات وهو يتلو البيان، كانت كأنها السحر، إذ إن آمال الفلسطينيين تضاعفت وتزايدت وهي ترى الإصرار على مواصلة الثورة ليس فقط لإنهاء الاحتلال وكنسه من أرضنا المحتلة، ولكنها لقيام دولة فلسطينية عصرية وديمقراطية ينعم مواطنوها بالأمن والسلام والمساواة، في تزاوج واضح بين حقيقة استمرار الثورة ضد الاحتلال، ومرحلة التحرر الوطني التي لا تتجاهل التفاعلات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للمجتمع الفلسطيني الموحد رغم حالة اللجوء والشتات، وإشارة إلى أن مواجهة الاحتلال، لا تعني تجاهل متطلبات المجتمع الفلسطيني الأساسية، الأمر الذي أشار بشكل غير مباشر، كيف أن النظم العربية الرسمية، وتحت مبرر المواجهة مع إسرائيل قامت بنسف كافة مقومات الديمقراطية في بلدانها، وقمعت شعوبها، وأهدرت الأموال على أجهزة الأمن مع تدني مستوى المعيشة تحت عبارة “اقتصاد الحرب” وفي هذا السياق، فإن إعلان الاستقلال الفلسطيني جاء ليضرب في الصميم مبررات القمع والإفقار تحت يافطة المواجهة مع العدو الإسرائيلي، ليطرح هذا البيان الخصائص الضرورية لمرحلة التحرر الوطني التي تعني بالضرورة تهيئة الفرد والمجتمع من أجل خوض مثل هذه المواجهة مع العدو.
وكأن العالم بأسره كان ينتظر هذا الإعلان، فبعد أيام قليلة من هذا الإعلان، تنادى معظم دول العالم للاعتراف بدولة فلسطين، معظمها كان معترفاً بمنظمة التحرير الفلسطينية، ومعظمها جاء من دول المنظومة الاشتراكية في ذلك الوقت ودول آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، كافة شعوب الأرض كانت مع شعب فلسطين وإعلانه حتى في تلك الدول التي ناصبت العداء والخصومة لدولة فلسطين، وشاهدنا في الكثير من المناسبات الاقتصادية والاجتماعية والتظاهرات الشعبية في معظم دول العالم، وهي تحتشد لأسباب داخلية، فإنها مع ذلك ترفع الأعلام الفلسطينية، وترتدي الكوفية الفلسطينية، وباتت المسألة الفلسطينية، حالة داخلية لدى معظم شعوب الأرض المحبة للسلام والمعادية للصهيونية والرأسمالية والإمبريالية.
ولكن، وبعد أكثر من ربع قرن على هذا الإعلان فإن السؤال يبقى مطروحاً وبشدة، أين نحن الآن من هذا الإعلان، وهل هذه الذكرى، تذكرنا بالضرورة أننا كقيادة وكشعب، فشلنا في وضع السياسات الضرورية للوصول بالإعلان إلى الاستقلال الحقيقي، وهل فعلنا ما فيه الكفاية لتحقيق آمال وطموحات الشعب الفلسطيني، أعتقد أن الإجابة بالقطع وبالتأكيد، كلاّ وذلك نتيجة لعدد متراكم من الأسباب المتعلقة بالوضع الفلسطيني الداخلي من ناحية، وبتطورات الوضع الإقليمي والدولي، وعلى الأخص تداعيات الوضع الداخلي الإسرائيلي ووصول اليمين المتطرف والعنصري والفاشي إلى الحكم، مع ذلك، ومع الإدراك لأهمية هذه المبررات، إلاّ أن ذلك يجب ألا يغطي على حقيقة أننا لم ننجح في رسم سياسة واقعية تستفيد من إمكانيات الشعب الفلسطيني لدحر الاحتلال، دون تجاهل بطبيعة الحال، ميزان القوى المختل عسكرياً وثقافياً واقتصادياً لصالح العدو، إلاّ أننا لم نتمكن من الإخلال بميزان القوى لكي يتم تعديله ولو نسبياً لصالح قضيتنا الوطنية.
مع ذلك، فإن هذه الذكرى باتت ترتبط بسياسة فلسطينية جديدة، فنحن على أعتاب التوجه إلى المنظمة الدولية، وخاصة مجلس الأمن من أجل انتزاع قرار دولي بأنه آن لدولة تحت الاحتلال، ما زالت محتلة من قبل عضو في الأمم المتحدة، أن ينصفها القانون الدولي ليس لمجرد اتخاذ قرار ولكن بتنفيذه خلال فترة زمنية محددة، وعلى الرغم من الصعوبات المترافقة مع هذا التوجه الجديد، إلاّ أنه الخيار الأفضل في ظل ميزان القوى القائم الآن، ولعل في تزايد الاعترافات الدولية مؤخراً، والنقاشات الدائرة في برلمانات عدد من الدول الأوروبية، مؤشراً لا بد من قراءته بوضوح، لمزيد من الإصرار على ضرورة التوجه إلى الأمم المتحدة، كخيار ليس لمجرد التكتيك السياسي، بل باعتبار الأمر ضرورة وطنية فرضتها ظروف فشل العملية التفاوضية!!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جوزيف ليبرمان

جوزيف ليبرمان و مارك والاس يكتبان: كيف ينبغي على ترامب أن يعيد التفاوض حول الاتفاق النووي

جوزيف ليبرمان و مارك والاس مثل الرئيس الأميركي المنتخب، دونالد ترامب، عارضنا بشدة ...