الرئيسية / مقالات / سيكولوجية الإرهابي وتركيبته العقلية

سيكولوجية الإرهابي وتركيبته العقلية

الرابط المختصر:

عاطف الغمري – جريدة الخليج

عاطف الغمري

كثير من الدراسات تخصصت في بحوث الإرهاب وانتشاره على مستوى العالم، إلا أن جانباً كبيراً منها، اختص به علماء النفس، الذين راحوا يستطلعون سيكولوجية الإرهابي، وفهم عقليته، والدوافع التي انتقلت به من كونه فرداً عادياً في مجتمعه، إلى الانتماء لجماعة ترفض المجتمع، وتكفره، وتبيح دمه، وتعلن الحرب عليه . فضلاً عن تصنيف العالم، على أنه منقسم إلى نحن وهم، حسب خط العداء الذي رسموه ليفصل بينهم وبين غيرهم أياً كانوا .
مئات من علماء النفس الذين عكفوا على هذه الدراسات، اعتبروا أن فهم عقلية الإرهابي، وتركيبة شخصيته، سيكون مفتاحاً لفهم كيفية تحول الفرد من مواطن، إلى إرهابي كاره لوطنه .
مؤسسة “راند” الأمريكية وهي من كبريات مراكز الدراسات التي تعتمد عليها مؤسسات الدولة، وبخاصة وزارة الدفاع، في إعداد دراسات حول موضوعات تكلفها بها، خصصت دراسة موسعة لهذا الموضوع . والدراسة كانت خلاصة مؤتمر، تلاقت فيه أفكار المشاركين، حول معنى أن الذى ينضم إلى تنظيم إرهابي، يصبح جزءاً من مجموعة، فليست له مبادرة فردية، أو فكر مستقل، لكنه يتحرك في إطار مرسوم له، لا يحيد عنه، ملتصقاً بعقلية جماعة مدفوعة دفعاً نحو ممارسة العنف .
اتفقت مع هذا التشخيص، دراسة لعالمة النفس ديبرا جالفين، وترى أن المنظمة الإرهابية تماثل تماماً الطائفة Sect أو Cult، والتي تتقوقع داخل عقيدة دينية تخصها، وتفرض على أعضائها التزاماً دقيقاً نحو قياداتها، وتحرم العلاقات مع غير الأعضاء، اتباعاً لنهج التوحد في المشاعر والأفكار . وهو نفس تشخيص العالم لويس ديلاثورث الذي شرح الانغلاق داخل الجماعة، حول هوية مشتركة .
أيضاً طرحت ديبرا جالفين فكرة الباب الذي تدخل منه الفرد العادي إلى شبكة الإرهاب . والذي وصفته بباب المشاركة في فكرة سياسية وأن هذا هو الطريق المشترك لدخول أفراد، ليتحولوا إلى إرهابيين . وهو المشاركة من البداية في قضية سياسية، والتعاطف مع اتجاه معين بشأنها، ثم بعد ذلك ينصهرون، في قلب عقيدة الجماعة، وهي عقيدة تقوم على تفسير خاص بهم للدين وتعاليمه .
وفي مجال البحث عن، المحركات الأولية التي تدفع الفرد نحو الإرهاب، وتشكيل عقليته الإرهابية، وجدت كثير من الدراسات أن ممارسة العنف في بدايات الظاهرة الإرهابية، نبعت من تراكمات مشاعر إحباط، وكون الفرد على أدنى درجات السلم الاجتماعي، ومع تطور الظاهرة وانتشارها رصدت الدراسات أن هناك متعلمين، حياتهم المعيشية مستقرة، لكن تتملكهم رغبة جارفة نحو المغامرة، وبعضهم يجد في الانضمام لمنظمات إرهابية، طريقاً لتأكيد ذاته، ولنفسه وللآخرين، وقدرته على امتلاك مهارات، مثل صناعة القنابل . وإن كان قطاع من المتعلمين تحركه دوافع عقائدية، رسخت في عقليته منذ سنوات طوال .
ولم تختلف كثير من هذه الدراسات مع ما انتهى إليه العالم الأمريكي ديفيد هوارد، في دراسته بعنوان “المختطفون” . وقد وجد أن مثل هؤلاء مرضى، أو مهتزون نفسياً، حتى وإن لم يظهر ذلك عليهم بالضرورة . وهم مختطفون “ذهنياً” من مجموعة قيادية، قد تكون أدنى منهم تعليماً وفهماً، استطاعت أن تبث في عقولهم، أفكاراً غلفتها بتفسيرات دينية، مستغلة توجهاتهم الدينية . فتسلطت على عقولهم، واستطاعت من خلال الانغلاق التنظيمي المحكم للجماعة، التحكم في سلوكياتهم .
من الذين اهتموا بالتغيير الذي لحق بوجه الإرهاب في الفترة الأخيرة، ومغالاته في القتل، وسفك الدماء، إلى حد ذبح الرؤوس، والتمثيل بالجثث، في انتهاك صريح وسافر لكل تعاليم الإسلام، إن عقيدة الجماعة توحشت، وتمددت على حساب العقيدة الدينية، التي يرفعها التنظيم شعاراً له، بحيث أخذت عقيدة الجماعة، تفرز تفسيرات، تبرر بها هذا الخروج على أصل الدين الإسلامي نفسه .
فمثلا، البروفيسور بروس هوفمان أستاذ دراسات الأمن بجامعة جورج تاون، حلل تغير وجه الإرهاب، وقال إنه يستخدم العنف الشديد، كطريقة جاذبة لأفراده، معللاً لأعضائه استخدامه، بأنه مفتاح انتصار قضيتهم، ورافعاً شعاراً نظرياً عن دولة الخلافة، باعتباره مصدر جاذبيته لهم .
أيضا البروفيسور مارك سيغمان في كتابه “فهم شبكات الإرهاب”، وقد رفض التفسير التقليدي للإرهاب باعتباره ظاهرة . ووصفه بأنه سلوك مدفوع بمسببات ذاتية وخارجية للإرهابي . وقد اعتمد سيغمان في كتابه، على بيانات ومعلومات استخلصها من أكثر من مئة شخص سبق تورطهم في أعمال إرهابية .
لم تتجاهل هذه الدراسات أسباباً أخرى وراء انتشار الإرهاب في مناطق من العالم، وبخاصة في الدول العربية، فمثلا درس الخبير الأمريكي شون أوبريان، العلاقة بين السياسة الخارجية للقوى الكبرى والإرهاب العالمي . وقال إن الولايات المتحدة، دعمت لوقت طويل الإرهاب . وأعتبر أوبريان موقفها من أهم أسباب انتشار الإرهاب .
وما طرحه أوبريان، لا يختلف مع تقارير عدة ركزت على الأبعاد السياسية للإرهاب، والتى أكدت أن دور الولايات المتحدة كان وراء انتشار المنظمات الإرهابية في العالم العربي .
ومن أسباب انتشار الإرهاب أيضاً، ما تحدث عنه آلان كروجر في دراسته بعنوان “التعليم والفقر والإرهاب: هل توجد صلة بينهم؟” . وربط كروجر بين التعليم المتدني، والإرهاب، كما اكتشف أن العلاقة بين التعليم والفقر والإرهاب، هي علاقة غير مباشرة ومعقدة .
وهذا الرأي لا يغيب عن بال الذين لاحظوا تفشي الأفكار المتطرفة والتكفيرية، خصوصاً بين صغار السن، والتي ترجع بعض أسبابها، إلى نظام التعليم القائم على التلقين، بما لا يهيئ عقلية الطالب من البداية، للحوار، والنقاش، وإعمال العقل .
بالإضافة إلى غياب تدريس مادة الدين بالمدارس – كمادة أساسية – تعرف الطالب بأصول العقيدة الدينية الصحيحة، من دون تحريف أو تلاعب بالمعتقدات الدينية .
يضاف إلى ذلك ما حدث في مصر من رد فعل مشبع بالعنف، من جانب الإخوان، بعد فشل تجربتهم في الحكم، بخاصة وأن لديهم مليشيات منظمة ومدربة، من قبل ذلك بسنوات طوال، إضافة إلى ارتباط حكم مرسي، بالمنظمات التكفيرية والإرهابية، التي تدفقت في عهده على مصر، منهم عناصر مدربة وقادمة من أفغانستان، وتسهيل تسربهم إلى سيناء، ومن انضم إليهم من فرق مسلحة تسللت من غزة، وكلها تحمل نفس الفكر التكفيري، الرافض لمفهوم الوطن، والمتبني إعلان الحرب على المجتمع .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الواقع العربي………….. بريشة اسامة حجاج

اسامة حجاج