الرئيسية / مقالات / «الدَّالوة».. الطائفيون حانقون

«الدَّالوة».. الطائفيون حانقون

الرابط المختصر:

رشيد الخيون – الاتحاد الإماراتية

rasheed pic

كان مساء الاثنين (3 نوفمبر 2014) فاجعة لقرية الدَّالوة وشيعة السعودية على العموم، ثم تحول الحادث إلى فاجعة للسعوديين كافة، فالذي يقتل جارك بسبب مذهبه أو دينه لا تظن أنك ستلم من خنجره.

كان الشيعة السعوديون يحيون العاشر من عاشوراء، ذكرى استشهاد الإمام الحسين بن علي (10 محرم 61هـ)، مثلما جرت العادة منذ مئات السنين، وهم يقطنون هذا المكان، وقد مر بأجدادهم ابن بطوطة (ت 779هـ)، حسب ما روى في رحلته عن تلك الأماكن، وفي مقدمتها القطيف.

أعني أن التخالط في ذلك المكان ليس جديداً، ويصف السعوديون أنفسهم أهل الأحساء بالمتسامحين، لأنهم نشأوا على الاختلاط والتعايش، حتى أن هناك زواجات مختلطة بين المذهبين.

لقد فاجأ السعوديون، بالتضامن ضد الإرهابيين على المستويين الشعبي والرسمي، الطائفيين قبل غيرهم، مثلما فاجأهم – في وقت ليس بعيد عن فاجعة الدالوة- الشيخ هاشمي رفسنجاني، عندما صرح علانية أن سب الصحابة وأمهات المؤمنين قاد إلى «القاعدة» و«داعش»، بمعنى أن الطَّائفيين الحانقين لا يريدون تغيير المواقف، ولا يحبذون سبباً لإخماد الحرائق.

صحيح أنه لم تقع مثل هذه الحادثة بالمملكة العربية السعودية من قبل، كي نقارن الماضي بالحاضر، لكن ما يصدر من وعاظ المنابر المتشددين، وما يُبث من قنواتهم ومواقعهم الإلكترونية، قدم تصوراً خاطئاً مفاده أن هذه البلاد التي مساحتها نحو مليوني كيلومتر مربع، وعدد نفوسها نحو 29 مليوناً، مصبوغة بلون أولئك الوعاظ، بينما هم محاصرون اليوم رسمياً وإعلامياً.

ناهيك عن التشدد الديني الذي ظهر من الإخوان النجديين القدماء، الذين ثبتوا في الأذهان صورة نمطية عن أهل نجد، رغم اختلافهم في المشارب، من أقصى الانفتاح إلى أقصى التشدد.

لم تتوقف الصحف السعودية، منذ ذلك اليوم، عن نشر المقالات الشاجبة للحادث، تحض على ملاحقة المحرضين على الإرهاب، وقُدمت توجيهات إلى أئمة المساجد لاستنكار الجريمة في خطبهم واعتبارها ضد الدين والوطن، وكتب تركي الدخيل في صحيفة «عكاظ»، تحت عنوان «حتى لا يستبد الأئمة»، مشيداً بهذا التوجيه، ولافتاً النظر إلى عدم ترك التنفيذ بلا رقيب، فهذا ما لا حرية فيه،

أي أن الحملة السعودية ضد الجريمة خرقت تماماً الصورة النمطية التي فيها ظل إمام المسجد حراً فيما يسكبه في أدمغة سامعيه، فإذا الأمر تعدى إلى الدماء، فلا منافرة في المذهبية، ولا مفاخرة بالفرقة الناجية.

طلب رجل الدين الشيعي حسن النِّمر، في لحظة الفاجعة، من أتباع مذهبه «التحلي بأعلى درجات اليقظة وتحاشي ردود الفعل»، ولم يُخذل النمر، وإنما جاءت حملة التنديد من كل المستويات: طالبت الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء بالأحساء بأقصى العقوبات الشرعية للقتلة.

واعتبر مفتي السعودية الحادث «عدواناً غاشماً وظلماً عظيماً»، وقال رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن القتلة: «لم يراعوا حرمة الدماء المعصومة»، وجاء في بيان مجلس الوزراء السعودي: «عدواناً إرهابياً ظالماً من حاقدين استباحوا دماء المسلمين»، كذلك أدان الحادث مجلس الشورى السعودي، وفي لحظتها أسرعت قوى الأمن إلى مطاردة القتلة، وفقدت اثنين من عناصرها.

وتصاعد التنديد بالقتلة أن لُفت جثامين الضحايا بالعلم السعودي، إشارة إلى أنهم شهداء الوطن، وكان التشييع نموذجاً للاستنكار، عندما أطلق أهل الأحساء هتاف: «إخوان سُنة وشيعة هذا الوطن ما نبيعه»، والأهم أن أُغلقت قناة «وصال» التحريضية دينياً ومذهبياً.

أتينا بهذه التفاصيل أولاً، لعظم الجريمة وأهمية شجبها، وثانياً، للشعور بأن الطائفية وصلت حدٍاً لا يُحتمل، ليس بالمناطق الساخنة طائفياً، حيث غدا وجود الدولة كعدمها، والتصفيات المذهبية فيها تبدو نتاج الحالة، إنما حصلت بدولة متماسكة أمنياً، وعلى هذا تقاس خطورة الوضع.

نعم، هناك تاريخ صعب من التناكف المذهبي، تتبناه فئة من مشايخ الدين، لكن الوضع لم يعد بأيدي هذه الفئة، فهي نفسها محاصرة رسمياً وشعبياً، وعلى الآخر التقاط الإشارة، ولا يجب البقاء رهن الصورة النَّمطية المرسومة في الأذهان، وها هو العدو واحد، وليستغل كل طرف دوافع الآخر في النزاع مع الإرهاب.

لقد خسرت «الدَّالوة» أبناءها، لكنها أسست لتضامن وبغض صريح للطائفية، كما نبهت إلى أن جوهر المواطنة لا أكثرية مهيمنة ولا أقلية مستضعفة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسين عبد الحسين

حسين عبد الحسين يكتب: ترامب سيواجه إيران في سوريا

حسين عبد الحسين في الفكر المضطرب للرئيس الأميركي المنتخب وشبه الأمي دونالد ...