الرئيسية / مقالات / حكايات قد لا تُروى

حكايات قد لا تُروى

الرابط المختصر:

عدنان فرزات – القبس الكويتية

عدنان فرزات

حكايات كثيرة ستجعل من السينمائيين عاجزين عن إقناع الجمهور في المستقبل بأن هذا كان يحصل فعلاً.

أفسدت الحروب الدائرة في المنطقة اليوم، الخيال على السينمائيين بالدرجة الأولى، فلم يعد بإمكان أي مخرج صناعة فلم مبهر وغرائبي مقارنة بما يحصل اليوم.

أحياناً يكون الواقع أغرب من الخيال، ولو نقل المبدعون بعض الأحداث التي تحصل في الواقع لما صدقهم أحد.

اليوم هناك دول تُفرغ بأكملها من ساكنيها وتتحول إلى ساحات موحشة للقتل والقتال، دولٌ تفرغ عنوة من شبابها وأطفالها: إما موتاً وإما تهجيراً، أي هو إعدام متعمد للمستقبل. وما دفعني الى كتابة هذه السطور مجموعة من المآسي عرفتها عن كثب. فقبل أيام كنت أتحدث مع أحد الشبان، وهو في مهجره القسري خارج وطنه سوريا، وكنت أعرف أنه بدأ رحلة الكتابة قبل سنوات قليلة من نشوب الأحداث، وتوسّمنا فيه خيراً، إلى أن جاءت الأزمة، فاضطر الى الرحيل مثله مثل الآلاف من المواهب التي تذروها رياح العنف، وحين سألته عما إذا استمر في الكتابة، أجابني بأنني أتحدث عن شيء نسيه هو، لم أشعر بإحراج ولا يأس، دفعته من جديد الى الكتابة، قلت له: «الموهبة في الأزمات قد تغفو قليلاً ولكنها لا تنام ولا تموت».

حكاية أخرى حرَّكت بياض الورق هذا، أتحدث من خلالها عن شاب تصدّر دفعته بالمرتبة الأولى في كلية الطب البشري على مدينته حلب، والثاني على مستوى سوريا، وهو اليوم في الشتات يجلس في المنزل يترقب قوارب الموت التي تقدم لحيتان البحر وللأسماك وجبات من الشباب العرب سنوياً.

وفي مدينة أخرى، توجد فتاة أخرى كانت قد وصلت إلى سنة التخرج بمعدل جيد في جامعتها، ثم اضطرت الى ترك كل أوراق نجاحها تحت زخات الموت، والهرب لتبدأ بعد سنتين من محاولات التسجيل بالجامعة الجديدة رحلة الدراسة من السنة الأولى، وقد أضاعت من عمرها سنوات لا تعوض.

شخص آخر أمضى عمره ليجمع ثمن بيت يسكنه مع زوجته وأولاده، وعندما حصل على المنزل، وراح يفرشه كل شهر قطعة.. قطعة، اضطر الى تركه تحت وطأة النيران، وهو اليوم يعيش في غرفة من صفيح في النزوح!

حكايات كثيرة ستجعل من السينمائيين عاجزين عن إقناع الجمهور في المستقبل بأن هذا كان يحصل فعلاً، شيء يشبه السخرية المريرة في رسمة كاريكاتير انتشرت مؤخراً لرجل عجوز يرتدي جلد حيوانات، ويحمل عصاً على هيئة إنسان قديم، وأمامه مجموعة من الأطفال، وهو يحدثهم عن زمن مضى قائلاً: «كان في عام 2014 لدينا كهرباء وماء يصل إلى البيوت، ولدينا أجهزة كمبيوتر تقوم عنا بمختلف المهام، وكان عندنا طائرات معدنية تطير في الجو..»، فيرد عليه الصغار بسخرية: «الله يشفيك جدو، كأنه أصابك الخرف.. معقول الذي تقوله..؟!».

أصدق أنا كلام الرجل العجوز، ولكن الذي لا أصدقه هو أن يبقى إنسان ما حياً ليروي ما حصل..!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مهند الحاج علي

مهند الحاج علي يكتب: ماذا بعد ”انتصار“ حلب؟

مهند الحاج علي معركة حلب ليست محطة عادية في سير العمليات العسكرية ...