الرئيسية / مقالات / صراعات وتوافقات “المصالح” في مفاوضات فيينا

صراعات وتوافقات “المصالح” في مفاوضات فيينا

الرابط المختصر:

د. محمد السعيد ادريس – جريدة الخليج

منذ تفجر أزمة البرنامج النووي الإيراني بين الدول الغربية وإيران ظل الأمريكيون والأوروبيون معهم يحرصون على عزل هذه الأزمة وكل جولاتها التفاوضية عن مجريات الصراع في الشرق الأوسط وبالتحديد عن العالم العربي بما فيه الدول العربية ذات المصالح المتداخلة مع الولايات المتحدة، فضلاً عن الضغوط والأدوار “الإسرائيلية” التي ظلت تعمل من أجل جعل هذه الأزمة هي الأزمة الأولى ذات الأولوية بالبحث بدلاً من القضية الفلسطينية . لكن يبدو أن أمر فصل أزمة برنامج إيران النووي عن التطورات المتلاحقة في المنطقة وتفاعلاتها الساخنة قد انقضى، فقد دفعت تطورات وعوامل كثيرة بالولايات المتحدة للسير في اتجاهين معاً، اتجاه يرمي إلى إنهاء الأزمة مع إيران حول برنامجها النووي وفق ضمانات مؤكدة بعدم تمكين إيران من امتلاك قدرات عسكرية نووية مع السماح لها بامتلاك برنامج نووي سلمي، واتجاه آخر هدفه توظيف أي نجاح في المسار الأول لجعل إيران شريكاً في تحمل بعض مسؤوليات أزمات المنطقة وعلى الأخص، أو كبداية اختبارية أن تكون شريكاً في الحرب على الإرهاب الذي يمارسه “داعش” ومثيلاً من التنظيمات التكفيرية مثل “جبهة النصرة” التي تعتبر الذراع القوية لتنظيم “القاعدة” في سوريا .
الحرص الأمريكي السابق على عزل تفاعلات أزمة البرنامج النووي الإيراني عن مجمل التفاعلات الإقليمية كان ورقة ضغط أمريكية من ناحية على إيران لدفعها إلى تقديم التنازلات المطلوبة ضمن إيحاء يقول إن أبواب الإقليم ستظل مغلقة أمام إيران إذا هي لم ترضخ للضغوط الغربية، وكان من ناحية أخرى استجابة لضغوط “إسرائيلية” وعربية رافضة لأي دمج لإيران في شؤون الإقليم، أو بوضوح أكثر رافضة لجعل إيران قوة إقليمية شريكة في إدارة الإقليم وأزماته، لكن الأحداث المتسارعة والخطرة في العراق وسوريا منذ نجاح تنظيم “داعش” في فرض سيطرته على مناطق واسعة من الأراضي العراقية والسورية وإعلانه في 30 يونيو/حزيران 2014 “دولته” وتسمية المدعو أبوبكر البغدادي “خليفة” للمسلمين، جعلت هناك استحالة للتغاضي عن ثقل إيران في البلدين، ولم يعد ممكناً تجاهل الأدوار المهمة التي يمكن أن تقوم بها إيران في الحرب على الإرهاب، لكن الأهم إعادة ترتيب المنطقة بعد انتهاء هذه الحرب بشكل ينعكس إيجابياً على أمن ووجود “إسرائيل” باعتبارها المصلحة الأمريكية الأهم في الشرق الأوسط .
أخذ هذه الأمور في الاعتبار يساعدنا على فهم مضمون رسالة الرئيس الأمريكي باراك أوباما للمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي ومغزاها، ويمكننا أيضاً إدراك مضمون وخلفيات تصريحات أخيرة وردت على لسان فرانك فالترشتاينماير وزير الخارجية الألماني .
فبعد أشهر من نفي الإدارة الأمريكية السعي إلى التنسيق مع إيران لمكافحة تنظيم “داعش” كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” (6/11/2014) أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما خاطب خامنئي مباشرة للتأكيد على “المصالح المشتركة” بين البلدين في مواجهة متطرفي “داعش”، البيت الأبيض والخارجية الأمريكية حرصا على عدم تأكيد وأيضاً عدم نفي هذه الرسالة التي تضمنت، حسب تسريبات الصحيفة الأمريكية، دعوة أوباما لخامنئي أخذ المصالح المشتركة للبلدين في محاربة تنظيم “داعش” في الاعتبار .
الكشف عن هذه الرسالة جاء بعد ساعات من إعلان رئيس هيئة أركان الجيوش الأمريكية المشتركة الجنرال مارتن ديمبسي أنه “لا يمكن منع إيران من الحصول على سلاح نووي من خلال عمل عسكري”، وجاء أيضاً متزامناً مع تصريحات أخرى لا تقل أهمية وردت على لسان جون كيري وزير الخارجية وأخطأ معظم المراقبين في فهم مغزاها، فقبل أربعة أيام فقط من بدء المحادثات الثلاثية المهمة التي جرت في العاصمة العمانية مسقط بين كيري ومحمد جواد ظريف وزير خارجية إيران وكاثرين اشتون مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي أعلن كيري أن تمديد المفاوضات مع إيران بعد جولة فيينا (18-24 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري) غير مدرج على جدول الأعمال . كثيرون فهموا هذا التصريح على أنه إعلان مسبق بفشل المفاوضات خصوصاً مع الأخذ في الاعتبار ما يتردد على لسان المسؤولين الأمريكيين وفي مقدمتهم الرئيس أوباما نفسه بأن الفجوة واسعة بين الموقف الإيراني وموقف “مجموعة 5+1″، لكن ما كان يقصده كيري هو العكس، وهو أن الفشل غير ممكن .
كيري قال ما نصه: “لا ننوي حالياً التحدث عن تمديد، لا نفكر في الأمر، سنبدأ المرحلة النهائية (من المفاوضات) بهدف إنجاحها” . معنى ذلك أن خيار النجاح هو الذي يحكم الموقف الأمريكي الآن، لذلك كانت تصريحاته عقب لقائه مع لوران فابيوس وزير الخارجية الفرنسي أكثر وضوحاً، حيث قال إن بلاده لا تعتزم المضي في المفاوضات إلى ما بعد تاريخ المهلة النهائية (24 نوفمبر/تشرين الثاني 2014)، معتبراً أن قرارات سياسية يجب أن تتخذ للتوصل إلى اتفاق مع إيران” . لم يكتف كيري بذلك لكنه أكد أنه “لن يكون من الصعب على إيران إثبات أن برنامجها سلمي”، وجدد في لقائه مع فابيوس أن “إيران يحق لها امتلاك برنامج نووي سلمي” . وإذا كان كيري قد كرر، خلال مشاركته مؤخراً في منتدى التعاون الاقتصادي في آسيا والمحيط الهادي (أبيك) الذي عقد في بكين، ما سبق أن ورد على لسان سوزان رايس مستشارة الأمن القومي الأمريكي أنه “ليس هناك ارتباط بين المفاوضات بشأن البرنامج النووي ومسائل أخرى منفصلة” وكان يعني نفي وجود تنسيق عسكري بين واشنطن وطهران لاحتواء خطر “داعش” وهو النفي الذي جاء على لسان رايس، فإن الرئيس الأمريكي أوباما نفسه ألمح من جهته في حديث تلفزيوني (9/11/2014) إلى أن ثمة مخاطر إقليمية قد تترتب على فشل الاتفاق مع إيران، كما توجه إلى إيران بالقول إن “الولايات المتحدة متواجدة في العراق لقتال عدو مشترك فلا تعبثوا معنا لأننا لسنا هنا للعبث معكم” .
تفاؤل وحرص لهما ما يبررهما من مصالح تخص الدول الست وإيران لكنها بقدر ما تمثل فرصاً فإنها تواجه أيضاً تحديات أولها داخلية أمريكية تتمثل في صعوبات هائلة داخل الكونغرس بعد انتخابات التحديد النصفي الأخيرة التي جاءت في صالح الجمهوريين الذين يسيطرون الآن على مجلسي النواب والشيوخ معاً، ما يعني أن الرئيس سيواجه برفض الكونغرس لأي اتفاق مع إيران خاصة إلغاء عقوبات أمريكية فرضت على إيران في الأعوام الماضية، وثانيها صعوبات إقليمية وبالذات الرفض “الإسرائيلي” المطلق لأي اتفاق مع إيران وأي فرصة تجعل من إيران شريكاً إقليمياً، إضافة إلى التخوفات العربية من أن يأتي توافق أمريكي – إيراني على حساب المصالح العربية، وأخيراً صعوبات إيرانية تحول دون مرونة الرئيس الإيراني حسن روحاني وحكومته في قبول قيود على حقوق إيران النووية أو في قبول إلغاء تدريجي للعقوبات وليس الإلغاء الكامل .
قيود وصعوبات حقيقية لكنها يمكن التغلب عليها ولو جزئياً عبر ضمانات وتطمينات . فحسب ما أفاد مسؤولون بوزارة الخزانة الأمريكية ستكون أمام الرئيس فرص لتعليق أغلب العقوبات على إيران من دون السعي إلى تصويت من الكونغرس . فقد قال مسؤول رفيع المستوى في الإدارة الأمريكية “لن نسعى إلى تشريع من الكونغرس في أي اتفاق شامل يستمر لسنوات”، أما إيران فهي باتت تدرك أن صفحة جديدة من علاقات التعاون مع واشنطن أصبحت وشيكة حسب ما أكد علي خورام مستشار وزير الخارجية الإيراني بقوله إن “ثلاثة عقود من عدم الثقة مع الولايات المتحدة تم تجاوزها” مشيراً إلى أن “المفاوضات بين الطرفين بناءة وتصب في المصلحة الوطنية لكلا الطرفين” . أما “إسرائيل” فهي مجرد ورقة ضغط وابتزاز لأنها أول من يدرك حقيقة البرنامج النووي الإيراني وتسعى فقط للحصول على الثمن المقابل، لكن الطرف العربي هو الحائر الآن والمؤهل لدفع الأثمان لسبب بسيط أنه غائب عن حسابات الصراع .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عبد القادر عبد اللي

عبد القادر عبد اللي يكتب: شرارة قصف القوات التركية تتوهج

عبد القادر عبد اللي بيان هيئة أركان القوات المسلحة التركية، حول هوية ...