الرئيسية / مقالات / شكراً أوباما

شكراً أوباما

الرابط المختصر:

سوسن الأبطح – الشرق الأوسط اللندنية

يتوجب أن نصدق ما قاله وزير الداخلية اللبناني نهاد المشنوق بأن «الوضع الأمني المقبل على لبنان أعظم من كل حرائق المنطقة»، وأن «أخطارا أمنية كبرى قادمة أكثر وأكثر من الآن حتى سنة» وصفها بـ«الصعبة». ربما أن التشاؤم بات أسلم، من كل الوعود الكاذبة، وبعض الاحتياطات قد تنقذ حياة مئات الآلاف من الأبرياء.
الأسف البروتوكولي للرئيس الأميركي، لأن لبنان يحتفل بالعيد الـ71 لاستقلاله من دون رئيس منتخب للجمهورية، لن يقدم أو يؤخر. أن يكون أوباما متأكدا «أن الشعب اللبناني من أكثر الشعوب ثباتا في العالم» لا يرفع المعنويات، أو يغير في المعطيات.
أركان عسكر الرئيس الأميركي وكبار الاستراتيجيين في بلده تسابقوا منذ أيام ليجيبوا في مجلة «فورين بوليسي» عن سؤال واحد خطير وحاسم هو: هل لا يزال العراق وسوريا بلدين موجودين؟ الإجابات أجمعت، أو أشبه، على أن ما كانا يعرفان بسوريا والعراق لن تكون لهما الصيغة نفسها أو الخريطة عينها على مدى قريب أو متوسط. وثمة بينهم، وهم الأدرى بترتيب البيت الأميركي الداخلي، من قال إن أميركا تعبث من خلال استراتيجية قاصرة الرؤية، محدودة في الزمن. غالبية المجيبين سبق أن عملوا في منطقتنا، بمراكز قيادية حساسة، وكلامهم ليس تنظيريا. هؤلاء يرون أن التفكك صار واقعا لا محالة، لكن بعضهم يحذر من الاستسلام المتسرع والمسبق لمقولة إن البلدين لم يعد لهما من وجود، والتعامل مع هذه المسلمة وكأنها باتت محسومة.
مع الاحتفال اللبناني الحزين بعيد الاستقلال، من دون رئيس للجمهورية، وفي ظل حكومة تصارع لتبقى، ومع مجلس نيابي مدد لنفسه عنوة، ومجموعات متطرفة تحاول أن تقتحم الحدود السورية – اللبنانية يوميا لتحتل وتعيث فسادا وهي تعلن جهارا رغبتها التخريبية في لبنان، وجنود وأمنيين لبنانيين في الأسر يهدد المتطرفون بذبحهم في أي لحظة، كيف سيكون لبنان بعد سنة؟ هل ستضمه «فورين بوليسي» إلى السؤال المطروح حول الدولتين الجارتين؟ وكم من دولة عربية في السنوات المقبلة سيشملها السؤال؟
هذا ما يدور في أذهان اللبنانيين، وهم يحتفلون بعيد لم يبق منه سوى رمزيته، وبعض البرامج التلفزيونية المخصصة للجيش، وأغنيات وطنية حماسية، ومسيرات شعبية، وما تنظمه المدارس من أنشطة لإبقاء التلامذة على تماس مع فكرة الوطن.
لا يريد السياسيون إذن أن يصوتوا على قانون انتخاب، يعدّل في الموازين المختلة الحالية، وهم لا يستطيعون أيضا قطع حبل السرة الذي ربطهم بتحالفاتهم الخارجية التي تقسم وتمزق لبنان كما مزقت ما حوله. بكلام آخر، أن يبقى لبنان مقاوما الخراب ثلاث سنوات ونصف السنة بعد اندلاع الكارثة السورية، هو في حد ذاته نوع من الإعجاز. يعرف اللبنانيون أنهم يصمدون وسط الأعاصير، لأن ثمة غطاء خارجيا هشا ومؤقتا لحماية ما تبقى من وطنهم. يدركون أن سياسييهم ليس لهم من الفضل في ما يدور سوى الشق التنفيذي الذي ائتمروا به. يعرفون جيدا أن بلدهم ينتظر مصيره، وما يقرره له غيرهم. مواطنون مستسلمون حد التقاعس حتى عن الاحتجاج على ما يرسم لهم. حفنة قليلة وقفت أمام المجلس النيابي، ترشق النواب الذين يمددون لأنفسهم بحبات البندورة، فيما الباقون يتفرجون على الشاشات مذعنين لقدرهم.
حفنة أقل تظاهرت أمام المجلس الدستوري وهو يدرس الطعن في التمديد الجائر لطبقة سياسية لا تملك قرارها. باستثناء الأمطار الوفيرة، والثلوج التي غطت قمم الجبال، لا شيء يدعو للتفاؤل، في عيد الاستقلال. زلزال الجيران ارتداداته ترتج لها أركان جمهورية بنيت على توازنات دقيقة. صارت الحسابات أعسر من أن يتحملها البلد الصغير. لم يسبق للبنان أن احتفل افتراضيا بالاستقلال كما حدث هذه السنة. كل كتب خاطرته، وألمه، وخيبته على طريقته. ثمة من تأسف على الانتداب والجنسية الفرنسية التي ضاعت، ومن تذكر الطعام الفاسد الذي يتجرعه يوميا، والطرقات التي تطوف بعد هطول الأمطار، والكهرباء الغائبة، والإنترنت المهدد بالانقطاع عند أول هزة ريح.
في عام 2007 ألغي الاحتفال الرسمي بعرض الاستقلال، كما هذا العام. لسنا أمام سابقة كما يقال. يومها كان فراغ رئاسي واغتيالات دموية تضرب لبنان. هذه المرة طوفان الدم يغرق المنطقة بأكملها، الجيش في مواجهة شرسة مع الإرهاب في كل مدينة وقرية، وأن يحشد قواته لاستعراضها ليس متاحا أو محببا. عرض الإمكانات يجري في طول البلاد وعرضها.
كتب على لبنان أن يحارب دائما من أجل استقلاله، مرة من الفرنسيين، وأخرى من الاحتلال الإسرائيلي، وغيرهما من النظام السوري، ودائما الصراع من أجل تحييده عن التحالفات القاهرة، التي كان يهتز لها وحده، وصارت ترتج لها دول العرب.
ثمة مسؤولون يعتقدون أن عدد النازحين في لبنان بالمجمل، وبعد أن أضيف إلى الفلسطينيين السوريون والعراقيون، وجنسيات أخرى متفرقة، صار يقترب – على الأراضي اللبنانية – من ثلاثة ملايين نازح، نتيجة المآسي الدموية العربية المتناسلة؛ أي ما يوازي عدد السكان. إذا صح الرقم فإن معركة الاستقلال بات لها وجه إضافي آخر، لم يكن بالحسبان. لبنان ليس مساحة جغرافية ونظاما طائفيا، وإنما صيغة عيش حر، تعددي، توافق اللبنانيون وتواطأوا بحماسة على احترامها. تحدي الحفاظ على الاستقلال، هذه المرة، يتخطى معركة الحدود والألعاب السياسية الداخلية الصغيرة، ليهدد نهج عيش اللبنانيين اليومي في عقر بيوتهم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

خليل حسين

خليل حسين يكتب: العقوبات الأمريكية على إيران والاتفاق النووي

خليل حسين من الواضح أن ثمة مؤشرات تصعيدية واضحة في العلاقات الأمريكية ...