الرئيسية / مقالات / تونس بين الثورة والبورقيبية

تونس بين الثورة والبورقيبية

الرابط المختصر:

حازم مبيضين – جريدة المدى

خاض التونسيون أمس للمرة الأولى منذ استقلال بلادهم، تجربة الانتخابات التعددية لمنصب الرئاسة، مُنهين المرحلة الانتقالية التي أعقبت إطاحة النظام السابق، وأعلنت حركة النهضة الإخوانية عدم ترشيح أي من أعضائها للموقع، وعدم دعمها لأي من المرشحين، وترك الأمر عائماً بين زعيم حركة نداء تونس الباجي قائد السبسي أو الرئيس الانتقالي المنصف المرزوقي، ومعهما الناطق باسم الجبهة الشعبية اليسارية حمة الهمامي، وسيكون صعباً على واحد من الثلاثة حسم المعركة من الجولة الأولى، ما يدفع لانتظار جولة ثانية تقول استطلاعات الرأي أنها ستكون بين السبسي والمرزوقي، إن لم تحدث مفاجآت.
السبسي وعمره يقترب من التسعين، شغل منصب رئاسة البرلمان مع بن علي وعدة وزارات مع بورقيبة، يقدم نفسه كرجل دولة يمتلك الخبرة، للتخلص من المشكلات والعبور إلى الديمقراطية بسلاسة، وهو بورقيبي بامتياز ونجاحه سيكون مؤشراً على حنين التوانسة لهيبة الدولة وعلمانيتها، في حين يزعم المرزوقي أنه يمثل روح الثورة وضد رموز النظام السابق، ويعتبر أن فوز منافسه سيكون انتكاسة للثورة التي يجب ألا تعود للوراء، ويرى أن هناك خطراً كبيراً من احتكار حزب واحد للسلطة، وأن الاستقرار يستوجب التوازن، وأن المعركة واضحة بين النظام القديم وقوى الثورة، علماً بأن حزب نداء تونس بقيادة السبسي، فاز بأكثرية مقاعد البرلمان في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، متقدما على حزب النهضة وغيره من الأحزاب.
انتخابات الأمس تترشح فيها امرأة واحدة، من بين أكثر من عشرين مترشحاً، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وفيهم الكثير من رموز العهد البائد، وهي تأتي بعد مرحلة انتقالية استمرت ثلاثة أعوام، وسادتها مشاحنات تميزت بالعنف أحياناً، حول دور الإسلام السياسي، لكنها تؤكد رغم ذلك أن تونس تصلح نموذجاً للتوافق والتقدم الديمقراطي، من بين البلدان التي عصفت بها رياح الربيع العربي، وهي انتخابات ستعيد إلى قصر قرطاج رئيساً ليس كمن سبقه، حيث ستكون له صلاحيات محدودة في حقلي الخارجية والدفاع، في حين تتركز السلطة بيد رئيس الوزراء المعين من قبل البرلمان.
عشية الانتخابات كثر الحديث عن المال السياسي، وخطره على توجيه إرادة الناخبين، وهو واقع بالرغم من تنديد المجتمع المدني وجمعيات عدة، وقد اخترق الانتخابات التشريعية الأخيرة، خصوصاً وأن القانون الانتخابي لم يُعرّف شراء الأصوات، ما يضعنا أمام جريمة غير معرّفة في ظلّ غياب الاختصاص، كما أن الأطراف المعنية بمراقبة التجاوزات كالجمعيات والمنظمات، لا تمتلك خبرة تخوّلها مراقبة المال الفاسد، وكل ذلك في ظل قوانين تشجع على الفساد، بسبب عدم حمايتها للمبلّغين عنه، مما قد يخلق نوعاً من الإحجام عن التصدّي لهذه الآفة، في بلد معظم سكانه من الفقراء، الذين يُخشى أن تغريهم الأموال، وإن كانت فاسدة.
مهم في انتخابات أمس ملاحظة أن حركة النهضة الإخوانية، تعلمت من التجربة المصرية، فنأت بنفسها عن المعركة الرئاسية لتضمن لها موقعاً في المشهد السياسي، لكنها قررت دعم مرشح يقطع مع النظام القديم، ما يعني أن أصواتها ستصب في صناديق المرزوقي، لمنع السبسي من دخول قصر قرطاج، وفي ظل كل التجاذبات والإيحاء بانحصار المعركة بين أربعة أسماء، فان المفاجأة قد تكون نجاح كمال مرجان، أو المنذر الزنايدي وكانا وزيرين في النظام السابق، وربما مصطفى كمال النابلي، محافظ البنك المركزي السابق المدعوم فرنسياً، إن كان لنفوذ باريس دور في هذه الانتخابات التي لم تعد نتائجها بعيدة وليس بيدنا غير الانتظار.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

خليل حسين

خليل حسين يكتب: العقوبات الأمريكية على إيران والاتفاق النووي

خليل حسين من الواضح أن ثمة مؤشرات تصعيدية واضحة في العلاقات الأمريكية ...