الرئيسية / تحقيقات / رحلة الموت من حمص إلى إسطنبول

رحلة الموت من حمص إلى إسطنبول

رحلة الموت
الرابط المختصر:

مدار اليوم – مي الخوري

اعتاد ناشطو الداخل السوري أن يرفدوا وسائل الإعلام العالمية بالأخبار والتطورات الميدانية على الأرض وأن يكونوا لسان حال الثورة، لكنّهم في الأمس القريب وجدوا فرصة ذهبية في الدعوة التي وجهها الائتلاف لقوى الثورة والمعارضة السورية لهم للمشاركة في ورشة إعلامية في إسطنبول ما بين 10 و12 تشرين الأول للبحث في استراتيجية موّحدة لخطاب الثورة.

فرصة تحمّس الشبّان لاقتناصها وإسماع صوتهم ومحاولة ردم الهوة مع معارضي الخارج. لكن الحيرة انتابتهم، وبدأوا يتشاورون، هل نذهب إلى اسطنبول؟ قال أحدهم: أنا في رأي ذهابنا مهم ولكن كيف نؤمن طريقنا؟

أجابه رفيقه: هناك وسيلة لا تشغل بالك لكن من دون سيارة، أمامنا رحلة سير على الأقدام.
تطمينات بعض الشبان لرفاقهم أشعل حماسهم فشدوا الرحال، وتجمّع نحو خمسة عشر شاباً في نقطة الانطلاق التي اتفقوا عليها في حمص. لكن عند الغروب تم إبلاغ الشبّان أنّ الانطلاق تأجل إلى يوم غد وعليهم أن يرقدوا في هذه النقطة حتى غياب الشمس في اليوم التالي. لم يشعروا أنّ ذلك نذير شؤم لهم بل على العكس كان الموضوع “عادياً” بالنسبة لهم، لكنهم كانوا يخشوا أن يداهمهم الوقت وعدم الوصول إلى اسطنبول في الموعد المحدد. عند العصر تقريباً حدث الانفجار الاول! تلاه ما يقارب الأربعين قذيفة من مدفع الـ 57 الواقع على جبل أبو دردة، حيث استهدف المنزل الذي كان يجتمعون فيه وبشكل حصري لمدة ساعة ونصف تقريباً، فحشروا جميعاً في مكان لا تتجاوز مساحته الـ 5 أمتار أي في”الحمام” كونه المكان الأكثر أمناً بنظرهم.

بقي الشبّان على هذه الحال لساعة ونصف قضاها معظمهم بالتسبيح وبعضهم بالمزاح، أحدهم كان انتابه موجة من الخوف حتى يكاد يظن نفسه يموت أو يحتضر وكان صديقه يخفف عنه بأن يمازحه، فقاطعه في أحد المرات أحد أصدقائه قائلاً له إن كل أعمالي السيئة تتراءى أمامي الأن ولا أعرف كيف سأقابل الله بها. فجأة توقف مسلسل القصف على المنزل، وبعد مغيب الشمس تجمعّ الشبّان في سيارة شحن متوسطة “أنتر” وصل عدد ركابها إلى 30 شخصاً، بعد أنّ انضمّ إليهم شبّان آخرون.

انتبه قناص

يقول أحد الشبّان لـ”مدار اليوم”: “في هذه اللحظات شعرت أني أشبه بخروف وليس إنسان”.
تمكّن الناشطون من النجاة من القصف وخرجوا من المنزل أحياء، ليعودوا ويواجهوا مسلسل رعب أخر، أبطاله تجار طرق، يجمعهم الجشع وحبهم للمال.

 ويقول أحد الشبّان: “تجار الطرق هؤلاء في حمص يساهمون مع نظام الأسد في التضييق على الأهالي”. سلك الناشطون طريقاً صعباً مليء بالحجارة والطين على مدار يومين، كانوا يسيرون ليلاً مختبئين تحت جناح الظلام من جرم الأسد وكان في أذهانهم أن السير سيكون لمدة ساعتين أو ثلاث ومن ثم تأتي سيارة لتقلهم إلى وجهتهم وهذا ما وعدهم به كل دلاّل يلتقوه. كان الدلالون الذين التقوهم يوهمونهم بأنّ هناك سيارة تنتظرهم عندما يتراءى لهم ضوءً خلف التلال، ولكن لم تكن هناك أي سيارة إلا بعد يومين من السير على أقدامهم.

ويقول أحدهم: “الشاب الذي أخافنا عندما كنا محاصرين في الحمام فقد قواه عند صعودنا على جبل قاسٍ، ولم يعد يستطيع المتابعة وطلب أن نتركه ونتابع طريقنا، كان لسان حاله لم أعد استطيع السير… أنا استسلم”. شاب أخر هو طالب في كلية الطب البشري كان يحمل معه حقيبة سفر بالإضافة إلى جهازه المحمول، في منتصف الطريق تقريباً ترك حاسبه المحمول إذ لم يقوى على حمله! واستغنى عنه لكن أحدهم لم يقبل بأن يفعل ذلك وساعده بأن حمل عنه حاسبه طول المسافة المتبقية.

ووسط رحلة التعب هذه، كان مناداة الدلال لهم ليأخذوا استراحة ويشعلوا السجائر كفيلة بإدخال الفرح إلى قلوبهم.

أحد الشبّان غير المدخنين، كان يفرح لفرحهم فهذه الاستراحة فسحة له لوضع حقيبته التي تزن 8 كيلو تقريباً جانباً.

ويقول:” كلما زادت المسافة كنت أشعر بأنّ حقيبتي أصبحت أثقل”.

مع اقتراب مسيرة الخوف والرعب من الانتهاء وبعد تسليم الدلال ما قبل الأخير لهم إلى الدلال الأخير، واجه الشبّان مشكلة جديدة علا خلالها صراخ أحد الدلالين والجدال على كمية المال وهدد الدلال الأخير بأنّ هذه الدفعة هي أخر دفعة سيقوم بإيصالها وبعدها سيقوم بتلغيم الطريق.

شعر الشبّان بأنّ لا قيمة لهم وثار أحدهم على الدلال قائلاً: “كذبتوا علينا من أول الطريق ولغاية الساعة تختلفون على الأموال ولا تسألوا عن أرواح الناس.”

 فسحب الدلال قبل الأخير مسدسه مهدداً بأنه سيطلق النار على الشاب أو في الهواء ويكشف مكان تواجدنا، لتعود وتتم تسوية المشكلة، وقام بعدها الدلال الأخير باستعجالهم خوفاً من أن يقوم الدلال ما قبل الأخير بإرشاد عصابات الأسد إلى مكانهم، فبدأ الشبّان بالهرولة على رغم أنهم كانوا بحالة يرثى لها من التعب.

في النهاية، وصل الشبّان إلى مكان فيه كومة أحجار، حيث طلب الدلال منهم أن يستريحوا فيه ومن يريد أن يدخن فلا مانع ومن يريد أن يقوم بتشغيل هاتفه المحمول ليخبر أهله ويطمئنهم فنحنا قد أصبحنا في المناطق الأمنة. انتاب الشبّان إحساس وشعور لا يصدق. ويقول أحدهم: “كان الأمر أشبه بولادة جديدة، شعرت أني أولد للمرة الثانية خلال يومين، أولها كانت عند خروجنا من المنزل أحياء والثانية عند وصولنا إلى الشمال السوري بخير”.

سارع هذا الشاب إلى إرسال رسالة الى زوجته ليطمئنها بأنّه وصل إلى المناطق المحررة وأصبح في منطقة آمنة. ويتابع قائلاً: “أكثر شعور مختلف أحسست به بعد ولادتي عندما داست قدماي الإسفلت، أحسست بأني طفل يستكشف شيء جديد لم اتأقلم بشكل سريع على السير على الإسفلت على رغم أني قبل يومين كنت قد قطعت مسافة طويلة جعلت من ذاكرة قدماي تنسى كل الأراضي التي سارت عليها سابقاً، وقد امتلئت جواربي بالدماء نتيجة اصطدام قدمي بالحجارة على مسافة الطريق من دون أن أشعر بذلك. كنت كالمولود الجديد تماماً، استكشاف … دماء استغراب واندهاش…

في اليوم التالي كان عليّ العودة إلى الموت مجدداً لأن شعور الاشتياق إلى حمص يبدأ بأكل ما تبقى من هذا الجسد المنهك.

في النهاية يبقى حظ هؤلاء الشبّان أفضل من نظرائهم الثلاثين الذين استشهدوا في 10-11-2014 والـ 15 الأخرين الذين جرحوا في كمين نصبته قوات الجيش السوري والشبيحة خلال مسيرتهم في اتجاه تركيا ليلاً، فضلاً عن وقوع عدد منهم أسرى، ومن تمكّن من المصابين من الفرار والعودة إلى الرستن في عداد قافلة من 67 شاباً كانوا يتوجهون الى تركيا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

سيرغي لافروف في المؤتمر الصحفي صباح اليوم

لافروف يؤكد استمرار المحادثات الأمريكية – الروسية بشأن حلب

جنيف – مدار اليوم كشف وزير الخارجية سيرغي لافروف، عن مشاورات مع الأميركيين ...