الرئيسية / مقالات / نظرية الثورة المصرية

نظرية الثورة المصرية

الرابط المختصر:

د. عمار علي حسن – الاتحاد الإماراتية

اليوم ينزل بعض المتطرفين من المنتمين إلى «الإخوان» و«السلفية الجهادية» شوارع بمدن مصرية رافعين المصاحف تحت شعار «ثورة إسلامية»، وهو مسعى يتجاهل أصحابه، أو لا يعرفون، المسار الذي أخذته الثورة في مصر، وبالتالي يفهمون ما إذا كان حديثهم عن ثورة فيه مبالغة شديدة من عدمه. فالثورة المصرية أخذت خمس خطوات لا ينتهجها النازلون اليوم، وهي:

1 ـ توقظ النخبة الشارع، وتعمق درجة وعيه، من دون أن يكون لها سلطان عليه، لأنها افتقدت أيام حكم مبارك الشبكات الاجتماعية والمشروعية القانونية والقدرات المالية التى تمكنها من التواصل المباشر والواسع مع الجماهير.

2 ـ لا تستطيع النخبة بمفردها أن تحدث التغيير العميق والتحول الاستراتيجي فى المشهد أو الموقف أو الحالة. والمثال الناصع لذلك حركة «كفاية» و«الجمعية الوطنية للتغيير» إذ لم يتمكنا من تحقيق أهدافهما في منع التوريث بل إزاحة مبارك نفسه إلا بعد نزول الشعب إلى الشارع، وهو ما تكرر مع حركة «تمرد» التي لولا نزول الملايين ما تمكنت من إزاحة حكم “الإخوان”.

3 ـ حين تنضم القاعدة الشعبية إلى ما تراه النخبة أو تقدره يحدث هذا التحول، وتضطر السلطة إلى الاستجابة للمطالب مثلما حدث فى انتفاضة 18 و19 يناير 1977 أو تغادر الحكم نهائياً إن أصر الشعب على هذا. وقد حدث فى المرتين بتدخل المؤسسة العسكرية لإجبار السلطة لتنزل على إرادة الشعب.

4 ـ حين تنحسر القاعدة الشعبية عن النخبة تقف الأخيرة عاجزة عن تحقيق مطالبها، وتعود السلطة إلى التجبر من جديد، أو الالتفاف حول المطالب التى كانت الجماهير قد نزلت الشارع من أجلها، بدعوى أن الثورة كانت مجرد انتفاضة أو تعرض كيان الدولة نفسه للخطر.

5 ـ تبدأ النخب فى تحفيز وإيقاظ وعى الجماهير من جديد مطالبة أو مناشدة إياها أن تنزل إلى الساحة من جديد بغية التغيير، وتسعى إلى تفنيد حجج وذرائع السلطة الجديدة.

ولم يكن الجمهور «كتلة متجانسة» في هذه التجربة، بل امتزج فيه خليط بشري، أغلبه سائل، حيث إن أغلب المحتجين لم يكونوا منتظمين فى أحزاب سياسية أو حركات اجتماعية أو جماعات دينية، وهم «الزاحفون» الذين يشكلون نموذجاً للحركات الاجتماعية، إلى جانب «متحدي السلطة»، ويمثلهم الأولتراس، إلى جانب البلطجية ومعتادي الإجرام فى فترات ما بعد ثورتي 25 يناير و30 يونيو. وهذا الخليط، وفق التجربة المصرية، يمر بثلاث مراحل على النحو التالي:

أ ـ يتوحد الشارع السياسي المصري حول هدف قصير المدى، بوسعه أن يشحذ الهمم، ويشحن الطاقات، ويأخذ بالأفئدة والألباب، لمدة معينة، فيندمج الناس، على أشتاتهم، فى كتلة واحدة، فتتحقق معادلة «الكل في واحد» ويؤمن الجميع بمبدأ «قوتنا في وحدتنا».

ب ــ حين يتحقق الهدف قصير الأمد، وكان في ثورة يناير إسقاط حكم مبارك وفى ثورة يونيو إسقاط حكم “الإخوان”، يحدث الخلاف حول ترتيب المرحلة المقبلة، أو حول الأهداف الأبعد، وفي مطلعها كيفية بناء نظام سياسي جديد، ويتوزع الشارع بين أغلبية راغبة في الاستقرار، الذى يكون أحيانا المصطلح السحرى للثورة المضادة، وبين الراغبين في استكمال الثورة، منطلقين من أنها عملية تغيير جذرى، يجب ألا تكتفي برحيل الحاكم أو إسقاط نظامه، إنما ببناء نظام آخر. وبين الفريقين هناك من يؤمن بأن هذه المعركة لا يمكن الفوز فيها بالضربة القاضية، لأن الثورتين المصريتين كانتا ثورتين شعبيتين، بلا قيادة واضحة ومحددة ومتفق عليها، ولذا لم يصل الثوار إلى الحكم مباشرة ويطبقوا ما طلبه الثوار، الذين كانوا أيضا بلا استراتيجية متكاملة ومعلنة، يتم فرضها بقوة على من حاز الحكم.

ج ـ يؤدي هذا الخلاف، وهذا التوزع على الأهداف والوسائل، إلى تفكك الكتلة البشرية من جديد، وعودة كل طرف منها إلى أرضيته الأولى، ينطلق منها وينافح عنها، وهو في النهاية دفاع عن خليط من المصالح والمنافع والأيديولوجيات والمبادئ.

د ـ لا يعني هذا أن الكل يعود إلى النقطة التي بدأ منها قبل الثورة، فالفعل الثوري يكون قد أدى دوره في هز الكثير من الاعتقادات الجامدة وأعاد صياغة بعض المصالح، وأعاد تشكيل بعض التحالفات، الأمر الذي يعني إحداث قدر من التغيير إلى الأمام، لا يمكن لأي سلطة حصيفة أو رشيدة أن تنكره وإلا أعادت الثورة إنتاج دورة جديدة، أو موجة أخرى.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

دونالد-ترامب

مستقبل العلاقات العربية الأمريكية بعد فوز ترامب

عبد الرحمن صلاح الدين لم يكن صناع القرار في العالم العربي متهيئين ...