الرئيسية / تحقيقات / اللاجئون السوريون في مخيم الزعتري: ماذا أمامنا غير الصبر؟

اللاجئون السوريون في مخيم الزعتري: ماذا أمامنا غير الصبر؟

IMG-20141206-WA0003
الرابط المختصر:

مدار اليوم -مي الخوري

يأتي تعليق برنامج الأغذية العالمي مطلع الشهر الجاري برنامجه للمساعدات الغذائية التي تتم بواسطة قسائم شراء، والتي كانت تشمل 1,7 مليون لاجئ سوري في الدول الواقعة على حدود سوريا، ليزيد الطين بلّة، وليكّبد اللاجئى السوري همّا إضافياً وهو على أبواب شتاء قارس.

قسائم لا تسّد إلاّ جزءاً يسيراً من حاجة اللاجئين المنتشرين في مخيم الزعتري الذي يؤوي نحو مئة ألف لاجىء سوري في محافظة المفرق (70 كيلومتراً شمال عمّان). وقد جرت العادة أن تتقاضى كل أسرة قسائم شراء بقيمة 20 ديناراً، توزّع على دفعتين شهرياً لتأمين حاجاتها، لكنّ ذلك لا يكفي وفق أبناء المخيم الذين التقتهم مراسلة “مدار اليوم”.

لاجئون يضطرون إلى بيع المساعدات التي تمنح لهم ليتمكنوا من إعالة اسرهم.

فعلى مدخل مخيم الزعتري المقسّم الى 12 قطعة والذي يبدو أشبه بمدينة، تبسط قوّات الأمن الأردنية سيطرته عليها، يصطف لاجئون للحصول على “حرامات” تقيهم صقيع الشتاء، بعضهم يستلم حصته ليعود ويبيعها.

ويقول أحد اللاجئين الذين فروا من درعا لـ”مدار اليوم”: “لا خيار أمامنا غير بيع الحرامات لتأمين الغاز لتدفئة أطفالنا”.

شاب درعاوي أخر باع بدوره “الحرام” الذي حصل عليه لإعالة أولاده الأربعة، ويذكّر بحملة توزيع مدفأة غاز على اللاجئين، فالبعض حوّلها الى طاولة لانّه لا يملك ثمن الغاز لتعبئتها.

تستمر الجولة تحت زخات المطر، والسير في الوحل، ولسعات من البرد و أطفال يركضون وهم يرتدون ثياباً رقيقة وأحذية صيفية وبعضهم يجلس في الخيم وقد كست “الجدري” وجوههم المطلية بالدواء.

في إحدى الخيم، يجلس رجل في الـ45 من عمره إلى جانب أطفاله الذين رفضوا العودة الى المدرسة هرباً من مضايقات رفاقهم الذين يعيّروهم بواقعهم المؤلم بأنّه يسكنون في خيمة وليس كرفان.

فعائشة إبنة الست سنوات ترفض الذهاب الى المدرسة في المخيم الذي تنتشر فيه ثلاث مدارس، سعودية وبحرينية وقطرية. ويقول والداها محمد الذي يتحدّر من درعا:”أولادي محبطون، رفاقهم يعيّروهم بأنّهم يعيشون في  كرفان وهم في خيمة، ابنتي صرخت في وجهي وقالت لي لن أعود الى المدرسة قبل ان ننتقل الى كرفان”.

فمنذ قرابة 11 شهر، لا يزال رب الأسرة التي تتألف من ستة أولاد يطالب بالانتقال من خيمة الى كرفان، لكنّ من دون جدوى. ويلعن محمد الساعة التي فرّ فيها من سوريا، “إذ لا مساواة في التعامل بين اللاجئين، فمن لديه واسطة يستطيع الحصول على كرفان “.

في المقابل، يعتبر رفيق محمد في اللجوء مصطفى الدرعاوي  وبالتالي لا ضرورة لإرسال أولاده إلى المدرسة.  “التدريس في المخيم شكلي”، غير أنّه في نظر المدرسين الأردنيين يختلف الموضوع  فهم يرون “أنّ مستوى التعليم  في الزعتري جيد، ونسبة من يدرسون أكثر من المتسربين “، أمّا مواد التدريس هي لغة عربية وانكليزية ورياضيات، والكتب والطعام القرطاسية تقدّم مجاناً.

ويسخر محمد من المنظمات الإنسانية التي توفّر للاجئيين سم فئران لرشه في الخيم، وعدم تزويده بالدواء والعلاج لزوجته التي تعاني الصرع. محمد فكّر مراراً في العودة إلى سوريا، لكن ما يمنعه أن يصيب أولاده مكروهاً، فحينها لن يستطيع تحمل هذا الذنب.

المعارضة السورية لم تسلم أيضاً من سهام اللاجئين الذين يعتبون بشدة على لامبالاتها تجاهم، حتى انّ بعضهم بات يترحم على الرئيس السوري بشار الأسد.

في خيمة أخرى، المعاناة نفسها تتكرر على لسان أشخاص جدد. فهيام الأم الدرعاوية لـ5 فتيات  لديها فتاتان تعانيان من الجدري، وجميع أولادها ليسوا في المدرسة لأنّ التسجيل لشهر تشرين الأول قد إنتهى، وعليها أن ننتظر حتى مطلع السنة حتى موعد التسجيل الجديد.

وتروي هيام كيف أنّ المياه غمرت خيمتها مرات عدة، حتى أنّ بعض الأغطية في الخيمة كانت مبلولة بالمياه. وتقرّ بحسرة أنّه لا خيار أمامها سوى التحمل بعد أن مللت الركض بأطفالها الى الملاجئ حين كانت في سوريا.

الحجة أم أحمد تبدو أنّها تعيش برفاهية مقارنة مع هيام للوهلة الأولى، فهي تعيش في كرفان. لكن ما إن تطلّ من الباب، حتى تُصعق بوجود 4 أولاد معوّقين. وتقول الوالدة التي تبلغ 47 عاماً: “عايشين شوفة عينك، المفوضية العليا لشؤون اللاجئين لم يعطوني كرفاناً، لكنّ شيخ سعودي قدّر الحالة الإنسانية التي نمرّ بها، فأمّن لنا هذا الكرفان”.

فالحجة أم أحمد التي كست التجاعيد وجهها، تنصرف إلى رعاية أولادها في حين يعمل زوجها في بيروت لتأمين معيشتهم، وهي منذ سنة ونصف تحاول تأمين العلاج لأولادها لكن ما يتم تزويدها به أشبه بحبوب باندول لا تضرّ ولا تنفع”، ولسان حالها لا نريد غير “رحمة الله. “

وعند مدخل أي كرفان، تمتد خطوط كهرباء بشكل عشوائي، فتلسعك الكهرباء التي تختلط مع مياه المطر.والمحزن أنّ عدداً من الفتية الذين التقيناهم فضّلوا ممارسة التسوّل على الذهاب الى المدرسة.

نماذج تجسّد صورة لجيل ضائع في وقت يفترض أن يكون هؤلاء الأمل لسوريا المستقبل، وهو ما يذكّرني بقول لأحد الدبلوماسيين المخضرمين عند بداية الأزمة السورية أنّنا “نخشى ضياع جيل كامل في سوريا” وهو ما يحدث اليوم حالياً على مرأى ومسمع المجتمع الدولي.

ولا يخفي اللاجئون السوريون عتبهم على سياسة بعض الدول العربية تجاههم مذكرين بفتح سوريا أبوابها أمام الجميع على مدار التاريخ واحتضانهم لهم ولا سيما اللبنانيين.

أمّا موضوع زواج القاصرات إلى رجال من الخليج لقاء حفنة من المال، وإجبار اللاجئات على العمل في الدعارة، يتطرّق إليه أبناء المخيم بخجل وفي الخفاء. فالاب يجد نفسه مضطراً إلى التخلي عن فلذات كبده لانّه يقف عاجزاً عن تأمين الطعام والمأوى لهن فتجده يلجأ الى أهون الشرين ويقوم بتزويجهن لمن يملك مالاً، والفتيات الذين لا سند لهن، لا يجدن غير بيع أجسادهم وارواحهم مقابل لقمة مغمسة بالذلّ.

وعلى رغم المعاناة الذي تطبع واقع أبناء مخيم الزعتري اليومي، الا أنّهم يتمسكون بالحياة متى استطاعو إليها سبيلاً، إذ تنتشر المطاعم ومتاجر الحلوى والمدارس والمستشفيات الميدانية والجوامع وعيادة نسائية للتوليد ومتاجر تجهيز العرائس والإتصالات.

واللافت أنّ رائحة الشام وياسمينها حاضرة فيها، حيث تجد متجراً يحمل إسم ياسمين الشام للاتصالات، ومتجراً أخر لحلويات ياسمين الشام.

حتى الشبيحة وأزلام النظام السوري ينتشرون في مخيم الزعتري، فهم عيونه وآذانه. كذلك، يتابع عدد من الشبان السوريين الذين فروا من الخدمة العسكرية الإلزامية في بلادهم  “دورة تدريبية عسكرية في الأردن” ونيتهم العودة للقتال في درعا.

الصحافي أيضاً له في كل عرس قرص كما يقول المثل، إذ لا يسلم من انتقادات اللاجئين الذين ملّوا التحدث إلى وسائل إعلام ليست قادرة على إحداث تغيير من خلال إسماع صوت اللاجئيين وإظهار معاناتهم. فالناس يعتصرها الألم وهي ترى أنّ الأمة العربية والاسرة الدولية يكتفون ببيانات التعاطف والاستنكار من دون أن يحركوا ساكناً.

ولا تكتمل بالصورة إلا بالنظر إلى التحديات التي يثيرها وجود اللاجئين السوريين في المملكة الهاشمية، إذ قلّما تجد أدرني لا يتذمر من تحمل بلاده لعبء اللاجئيين الفلسطنيين من قبل، واليوم يثقل وجود اللاجئيين السوريين كاهل هذا البلد المحدود الموارد والذي يعاني الشح في المياه.

فالايجارات ارتفعت أسعارها والمواد الأولية وبات العمّال السوريون ينافسون الأردنيون، غير أنّ البعض يرى مبالغة بالحديث عن ذلك، إذ خلق المخيم فرص عمل جديدة، وبعض الأردنيين يعانون من الخمول وليسوا كالسوريين يكدحون لتأمين لقمة العيش” على حد تعبير أحدهم.

أمام هذا الواقع، ليس من خيار أمام المعارضة السورية والائتلاف بشكل خاص سوى التحرك وإطلاق حملات إغاثة بجهود ذاتية سورية كخطوة أولى وأن يرافقها حملة تعبئة دولية كي يشعر اللاجئ السوري أنّ لقمة عيشه وكرامته مصانة وأن ثمن حريته ومطالبته بالعدالة لن يدفعه الفقراء وحدهم وأن يتشارك السوريون تجرّع كأس العلقم معاً في إنتظار بزوغ فجر السلام والخلاص والحرية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

956-400x259_983715_large

كاتب لبناني: اهداف “حزب الله” بعد حلب

وكالات-مدار اليوم ترتكز روسيا وإيران على نتيجة معركة حلب للاستثمار السياسي، ولأجل ...