الرئيسية / مقالات / طغيان الفرد على المؤسسة

طغيان الفرد على المؤسسة

الرابط المختصر:

د. مصطفى الفقي – جريدة الخليج

كلما تأملنا في أسباب التقدم ودرسنا ظواهر التخلف أدركنا أن نهوض الأمة يرتبط بوجود مؤسساتٍ قوية ذات تقاليد راسخة لا تتأثر بالتغيرات الطارئة ولا تذوب في شخصية الأفراد القادمين والذاهبين مهما بلغ شأنهم وارتفع تأثيرهم، ولكن بعض الدول التي لم تضرب بسهم وافر على طريق النهضة سقطت في أحضان “الفرد الواحد” وأصبحت أسيرةً لنفوذه، نقول ذلك لكي ندلل على أن المؤسسة هي الأصل وأن الفرد الذي يقودها أو يدير شؤونها هو ابن لها ونتاج منها ولا يمكن أن يذوب الكيان الكبير في شخص واحد، لذلك فقد عانينا كثيراً في بلادنا طغيان “الفرد” على “المؤسسة” بحيث تتحوّل إلى جزءٍ منه وذلك لأسباب نورد بعضها فيما يلي:
أولاً: إن إحساس المسؤول الكبير بأنه مؤبدٌ في موقعه يجعله ينكر على غيره حق “تداول السلطة” و”دوران النخبة” فتتوقف عملية الصعود والهبوط وندخل في مرحلة من الجمود تؤدي بالمؤسسة إلى الترهل وهي مازالت في سنوات شبابها لأن التوقف عن ضخ دماءٍ جديدة واستمرار إدارة واحدة لفترات طوال هو أمر عانينا منه كثيراً ودفعنا ثمنه دائماً، إذ إن بقاء المسؤول على مقعده لعشرات السنين هو كارثة حقيقية تؤدي بالمؤسسة التي يديرها إلى الاختفاء خلفه والانزواء بجانبه لأن اعتماد المؤسسة على فرد بعينه هو عدوان على الطبيعة البشرية وانتهاك للعمر الافتراضي لحيوية المسؤول .
* ثانياً: ما أكثر المؤسسات الغربية الراسخة التي تواصل عطاؤها وتأكدت قيمتها لأنها عرفت عنصري الجدية والاستمرار وكلاهما لا يرتبط بفرد ولا يعتمد على شخص، فالكل زائل ولكن تبقى المؤسسة في النهاية هي الصامدة والباقية، ولو تأملنا في تاريخنا الوطني لوجدنا أن المؤسسات في نموها وازدهارها قد ارتبطت بأفرادٍ بعينهم واقترن صعودها بهم فظل عطاؤها محكوماً بوجودهم وانهارت قيمتها بعدهم! إذ إنه حين يكون الفرد على قمة مؤسسة تنفيذية أو حزبية أو نقابية فإنه يحاول أن يقرن اسمه بها وكأنما يذكرنا بأحد ملوك “فرنسا” الذي قال (إن فرنسا هي أنا وأنا فرنسا) . ولو أخذنا المؤسسة الدبلوماسية التي انتميت إليها سنواتٍ طويلة كمثال لوجدنا أن تلك المؤسسة العريقة ترتبط في مراحل تطورها بأسماء الوزراء اللامعين في تاريخها بسبب مركزية العمل في الخارج وطبيعته الدولية، أما مؤسسة القضاء على سبيل المثال أيضًا فإنها تحتفظ بقدرٍ كبيرٍ من الاستقلال واللامركزية بحيث يصبح من يدير العمل فيها هو “الأول بين متساوين” ولا نكاد نجد الفارق الكبير بين الأعلى والأدنى .
* ثالثاً: إن مصر دولة مؤسسات عرفت الجامعات والأحزاب والنقابات بل والجمعيات الأهلية منذ أكثر من مئة عام، وأضافت إليها مؤسسات ثابتة مثل “القوات المسلحة” و”الشرطة” و”القضاء” و”الجهاز الدبلوماسي” فضلاً عن مدارس مهنية تميزت بها وتفوقت فيها مثل “مدرسة الري المصرية” التي ارتبطت بالنهر من منبعه إلى مصبه، ومدرسة “السكة الحديد” التي بدأت بثاني خط حديد في العالم والذي جرى إنشاؤه على أرض مصر في منتصف القرن التاسع عشر، من هنا فإن دولة بهذا التاريخ العريق والحجم الكبير يجب أن تدافع عن استمرارها ورسوخ الكيان التاريخي لمؤسساتها، فالذي يدرك قيمة الاستمرار دون انقطاع هو الذي يفهم معنى التواصل في تاريخ الأمم وحياة الشعوب .
* رابعاً: إن المؤسسة ذات الطابع السياسي لا تختلف عن غيرها في الحاجة الماسة إلى الدماء الجديدة التي تضخ في شرايين الوطن، فإذا كانت “الأمة هي مصدر السلطات” وفقًا للمنطوق المعروف في الدساتير الحديثة، فإن الأمة ذاتها هي التي تحدد دور الفرد على نحوٍ متوازن فهي لا تقهره ولا تسحقه، كذلك فإنها أيضاً لا تقدسه ولا تدمن الدوران حوله! فالشخوص إلى فناء أما الأمم والأوطان فلها حق البقاء، من هنا تبرز أهمية الديمقراطية واتساع حجم المشاركة السياسية بحيث لا نكون أسرى عبادة الفرد أو تقديس الحاكم مع اعترافنا بمفهوم “البطولة” وظاهرة “الزعامة” اللذين لا يجادل أحد في أهمية كل منهما على صعيد الفكر والحركة .
* خامساً: إن “كاريزما الفرد” تعمي الأبصار وتحجب الرؤية وإذا كنّا لا ننكر وجودها لدى البعض فإننا نطالب بتوظيفها في خدمة مؤسسة الوطن كله، وإن كان ذلك لا ينتقص من حقيقةٍ أخرى وهي أن الزعامة ذات الكاريزما العقلانية تختلف عن الكاريزما “الديماغوجية” فالشعوب لا تأكل الشعارات ولا تعيش على العبارات ولكنها تريد دائماً لأجيالها القادمة النهوض والصعود والارتفاع إلى مستوى حياة العصر بإمكاناته الهائلة وقدراته المتزايدة، “فالكاريزما” ليست مرضاً إذا أحسنا التعامل معها ولكنها ظاهرة يجب أن توضع في إطارها الصحيح لخدمة الوطن، إن “كاريزما غاندي” كانت عظيمة، و”كاريزما مانديلا”، كانت رائعة وكاريزما “شارل ديغول” كانت مؤثرة لذلك كله فإننا لا نقف ضد ظهور “الكاريزما” ولكننا نطالب بتوظيف دورها لخدمة الرؤية الوطنية ورعاية أهداف الدولة وصيانة أمنها القومي والحفاظ على مصالحها العليا .
* سادساً: إن المؤسسة الصغيرة تذكرني دائماً بقصيدة “إيليا أبو ماضي” عن (الحجر الصغير) الذي تستند إليه كيانات أكبر وأكبر فلا يجب أن نقلل من تأثيرها وحجم وجودها لأن المؤسسة الأكبر تعتمد عليها، كما أن المؤسسة الكبرى وهي الوطن كله تمضي إلى الأمام بنجاحها وتنتكس بإخفاقها، إن دور الفرد دور حاكم لا ننكره ولكنه يجب أن يصنع المنظومة المتكاملة للبقاء والاستمرار مهما كانت الظروف، لأن وجود شخصٍ على قمة المؤسسة هو أمر مرهون بعوامل متعددة ولكن بقاء المؤسسة هو حاجةٌ ثابتة لا تنتهي مع الوقت .
* سابعاً: إن طغيان السلطة التنفيذية في بلادنا على بقية السلطات وهذه حقيقة تاريخية مصدرها نشوء المجتمع المركزي النهري منذ فجر التاريخ فتكون لدينا جهاز إداري عتيد قد يجعل المؤسسة تشيخ وتهرم ويتراجع دورها ويقل عطاؤها، ومع ذلك لا تنالها يد التجديد ولا تأخذها حيوية العصر! من هنا فإن طغيان الجهاز التنفيذي للدولة المصرية هو ظاهرة سلبية تعانيها بقية السلطات وتدفع ثمنها في الحاضر والمستقبل . . . هذا عرض موجز لإثبات حقيقة مؤكدة وهي أن تضخم حجم الفرد على حساب المؤسسة هو انتكاسةٌ حقيقية تؤدي إلى التراجع الكامل لمسيرة التقدم في وطنٍ نريد له الصعود والازدهار .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حازم صاغية

حازم صاغية يكتب: عرس بشّار وموت حلب

حازم صاغية يتكاثر المولعون ببشّار الأسد، أو أقلّه مَن «يفضّلونه على خصومه»، ...