الرئيسية / مقالات / وجهان أميركيان

وجهان أميركيان

الرابط المختصر:

هشام ملحم – السيد يسين

هشام ملحم

تفاصيل التعذيب تقزز النفس. التفنن في ابتكار اساليب تعذيب مختلفة، وحتى التلذذ بها، مروّع. مدى التضليل السياسي والاعلامي مذهل. محاولات اخفاء الحقائق مدهشة. هذا بعض ما كشفه تقرير لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الاميركي عن برنامج التحقيق مع اسرى تنظيم “القاعدة” و”الطالبان” عقب هجمات 11 ايلول 2001 الارهابية وغزو افغانستان. بعد خمس سنوات من مراجعة اكثر من ستة ملايين صفحة من وثائق وكالة الاستخبارات المركزية، والتدقيق في تحقيقات “السي آي اي” مع 119 معتقلاً والاساليب القاسية التي استخدمت لانتزاع الاعترافات منهم، تبين للجنة ان ما سمي “اساليب التحقيق المتشددة” لم تكن فعالة، وان “السي آي اي” قدمت معلومات غير صحيحة عن فاعلية برنامجها، وان ادارتها للبرنامج كانت حافلة بالاخطاء، وان البرنامج كان أكثر قسوة مما ادعت امام صناع القرار (بما في ذلك البيت الابيض) والرأي العام.
الكل كان يعلم أن اسلوب الايهام بالغرق كان من أبرز وسائل التعذيب التي استخدمتها “السي آي اي” قبل ان يوقفها أوباما، لكن التفاصيل في التقرير عن هذا الاسلوب وغيره، اضافة الى محاولات التضليل، هي الامر الجديد. قد لا نعرف قبل وقت طويل حقيقة ما كان يعلمه الرئيس بوش وغيره من كبار المسؤولين آنذاك. التقرير يقول إن بوش اطلع للمرة الاولى في 2006 على بعض التفاصيل، وانه ابدى انزعاجه من بعض التفاصيل (لكنه لم يوقفها). اللافت ان هناك رسالة داخلية لـ”السي آي اي” في 2003 تعرب عن قلق عميق من جراء علم وزير الخارجية سابقاً كولن باول بمدى التعذيب “لانه سيفجر الوضع”. لكن ما هو واضح ان ما تعرض له أسرى “القاعدة” و”طالبان”، وهم بالتأكيد قتلة وارهابيون، لم يتعرض له الاسرى النازيون او اسرى فيتنام الشمالية عندما كانوا تحت سيطرة القوات الاميركية.
إلا أن ما هو واضح أيضاً انه في مقابل هذه المرحلة الداكنة من تاريخ الولايات المتحدة، عقب أهم هجوم داخلي تتعرض له منذ ولادتها، ثمة وجه آخر عبّر عنه أوباما حين اوقف هذه الممارسات لانها تتعارض مع القيم الاميركية. رئيسة اللجنة ديان فاينستاين قالت: “التاريخ سيحكم علينا انطلاقا من التزامنا لمجتمع عادل يحكمه القانون واستعدادنا لان نواجه الحقيقة البشعة وان نقول: لن نقبل بهذا مطلقاً”. السناتور جون ماكين، الذي تعرض لتعذيب بشع خلال أسره في فيتنام الشمالية، قال إن هذه الممارسات “لطخت شرفنا القومي”. التوفيق بين مصالح دولة عظمى ومضمونها الديموقراطي صعب للغاية، لكن أهم ميزات اميركا هي انها تدرك ذلك، وتمارس النقد الذاتي وهذا ما رأيناه في التقرير.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عبد القادر عبد اللي

عبد القادر عبد اللي يكتب: شرارة قصف القوات التركية تتوهج

عبد القادر عبد اللي بيان هيئة أركان القوات المسلحة التركية، حول هوية ...