الرئيسية / مقالات / التعذيب في سوريا: وسيلة ومنهجية وسياسة

التعذيب في سوريا: وسيلة ومنهجية وسياسة

الرابط المختصر:

منظمة العفو الدولية –المكتب الإقليمي للشرق الأوسط- المحامي أنور البني

أنور البني

التعذيب هو أشد انتهاكات حقوق الإنسان بشاعة وانتشارا ويمارس في كثير من الدول بشكل منهجي وواسع بل يشكل جزءا أساسيا من سياسة الدولة.
ورغم أن نصا واضحا جاء بالمادة 5 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يحرم التعذيب حيث أكدت على “عدم جواز تعريض الإنسان للتعذيب ولا للعقوبات القاسية أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو الحاطّة بالكرامة “.ورغم وجود اتفاقية خاصة بمناهضة التعذيب أعلنتها الأمم المتحدة بكانون الأول من عام 1984 جاء بمادتها الأولى:
“لأغراض هذه ا لاتفاقية، يقصد “بالتعذيب ” أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسديا كان أم عقليا، يلحق عمدا بشخص ما يقصد الحصول من هذا الشخص، أو من شخص ثالث، على معلومات أو على اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه، هو أو شخص ثالث أو تخويفه أو إرغامه هو أو أي شخص ثالث، أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب من الأسباب يقوم على التمييز أيا كان نوعه، أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص آخر يتصرف بصفته الرسمية. ولا يتضمن ذلك الألم أو العذاب الناشئ فقط عن عقوبات قانونية أو الملازم لهذه العقوبة أو الذي يكون نتيجة عرضية لها.”
ورغم أن معظم دول العالم وافقت على الإعلان العالمي وعلى الاتفاقية الخاصة بمناهضة التعذيب بما فيها سوريا التي وقعت على الاتفاقية عام 2004، إلا أن الالتزام بها ووقف عمليات التعذيب كان موضوعا آخر بالنسبة للسلطات السورية ولعديد من دول العالم. لا بل نادرا ما نجد دولا التزمت بشكل تام بهذه الاتفاقية وذلك بسبب صعوبة كشف هذا الانتهاك. فالتعذيب يجري بصورة سرية وبغرف مغلقة في معتقلات معزولة نهائيا عن العالم أو سجون لا يصلها الرأي العام بالإضافة إلى أن السياسة تلعب دورا كبيرا في التغطية على هذه الانتهاك وتبريره بحجة الأمن. كما أن صعوبة تحديد المسؤول عن ممارسة هذا الانتهاك ومن أعطى الأوامر أو سكت عن ممارسته، فضلا عن عدم وجود المرجعية القضائية المستقلة التي تحاسب المرتكب في ظل عدم حيادية القضاء الوطني تجاه المسؤولين عن ممارسة هذا الانتهاك، يعطي أمانا لمرتكب التعذيب ويشعره بأنه بعيد عن المحاسبة ويجعله يمارس التعذيب دون أدنى خوف.
التعذيب في سوريا
كان التعذيب لعقود وما زال أسلوبا منهجيا ثابتا للسياسة السورية يستخدم بكل إدارات الأمن والشرطة في سوريا ولم يقتصر الأمر على السنوات القليلة الماضية. وقد وثق نشطاء حقوق الإنسان التعذيب ووسائله وطرق ممارسته وحددوا المسؤولين عنه. وكانت مكافأتهم وضعهم بالسجون واتهامهم بنشر أنباء كاذبة من شأنها أن توهن نفسية الأمة.
فقد كانت هناك حالات تعذيب شديدة ووفيات من جراء التعذيب منذ سبعينيات القرن الماضي شملت مختلف المعارضين السياسيين كرابطة العمل الشيوعي التي فقدت اثنين من أعضائها بسبب التعذيب؛ والتنظيمات الإسلامية المختلفة وعلى رأسها حزب الإخوان المسلمين الذي فقد المئات من المنتسبين أو من اتهموا بذلك؛ فضلا عن عدد من أعضاء المنظمات الفلسطينية المناهضة لسياسة النظام.
وقد مورس هذا المنهج بشكل واسع في بداية الثمانينيات بعد أحداث حماه وإدلب وحلب، حيث كان التعذيب في السجون والمعتقلات ووفاة المعتقلين أمرا شائعا إلى حد بعيد كما هي الحال هذه الإيام. وما زال هناك أكثر من ثلاثة آلاف معتقل من تلك الفترة لم يكشف عن مصيرهم حتى الآن، ومنهم معتقلين لبنانيين.
ويمارس التعذيب في سوريا بأشكال وطرق عديدة منها التعذيب المعنوي حيث يتم عزل المعتقل لفترات طويلة عن كل تواصل مع العالم الخارجي ويزج به بزنزانة إفرادية ويتعرض للإهانة وتوجيه السباب إلى التهديد باعتقال زوجته أو أبناءه أو أهله والتهديد باغتصابهم أو تعذيبهم وحصلت حالات عديدة نفذت فيها هذه التهديدات وتم القيام بذلك أمام نظر المعتقل في أحيان كثيرة. هذا إلى التعذيب الجسدي المباشر وتتجلى طرقه بعدة أشكال شائعة لدى الأمن السوري نذكر منها:
الضرب: ويكون على كل أنحاء الجسم دون تمييز؛
الجلد: يكون بواسطة كبل معدني مجدول يجلد به المعتقل وهو مربوط على مسطح أفقي أو مائل؛
الشبح أو التعليق: وبه يربط المعتقل من يده ويعلق بالهواء حيث تلامس أطراف أصابع قدميه الأرض ويترك على هذا المنوال مع الضرب بشكل متكرر ساعات أو أيام قد تكون طويلة ويمكن أن ينتج عنه شلل جزئي باليدين؛
الكرسي الألماني: وهي إجلاس المعتقل على كرسي وسحب رجليه من تحت الكرسي وربطها بيديه خلف الكرسي ويتم زيادة الجذب بين القدمين واليدين بحيث يتقوس الظهر بشكل كبير وهذه الطريق قد تسبب الشلل الكامل أو الوفاة إذا انكسر العمود الفقري للمعتقل؛
الفسخ: وبه يجبر المعتقل على الجلوس على الأرض مشابكا رجليه تحت جذعه ويوضع ثقل على كل رجل تكون عادة جسم المحققين ويتم الضغط ويمكن أن تسبب هذه الطريقة فسخ وكسر حوض المعتقل بين فخذيه؛
الكهرباء: وبها يتم وصل أطراف المعتقل أو لسانه أو عضوه التناسلي بقطبي جهاز كهربائي وزيادة شدة التيار على دفعات وهذه قد تؤدي للوفاة في حالات القلوب الضعيفة؛
قلع الأظافر؛
الاغتصاب: بشكل شخصي ومباشر من قبل السجانين بالنسبة للمعتقلات، وبالنسبة للمعتقلين يتم بإدخال أداة خشبية أو معدنية في المخرج؛
وقد تنوعت وازدادت أساليب التعذيب في السنتين الأخيرتين بحيث أضيف إليها:
الحرمان من الطعام بشكل نهائي أي الموت جوعا؛
الحرمان من الرعاية الطبية نهائيا بحيث أصبحت أي حالة مرضية أو جرح تعني الموت؛
الاكتظاظ الهائل حيث يعاني المعتقل من ضرورة الوقوف بشكل دائم في المعتقلات المكتظة لأيام وأشهر دون إمكانية الجلوس أو التمدد مما يؤدي لانهيار نفسي ومعنوي وجسدي بالكامل وبالتالي الموت؛
اعتقال عوائل بكاملها بما فيها النساء والأطفال والشيوخ.
ونحن هنا لا نتحدث عن أماكن محددة تجري بها ممارسات التعذيب هذه وإنما نتحدث عن كل المعتقلات في سوريا دون استثناء ونذكر كذلك أماكن الاحتجاز العائدة للدفاع الوطني ومجموعات الشبيحة والمجموعات المسلحة الأخرى الموجودة في سوريا. وحالات الموت بسبب التعذيب التي حصلت بسوريا خلال الثلاث سنوات الماضية تتجاوز بكثير الأرقام المعلنة، وإن توثيق وفاة أحد عشر ألف معتقل بالصور من قبل أحد العناصر المنشقة لا يشكل إلا رأس جبل جليد بهذا الموضوع. وهذا الرقم يوثق حالات الوفاة بسبب التعذيب في ثلاثة أفرع عسكرية بدمشق فقط، وهي: الفرع 235 (فرع فلسطين)، والفرع 215 (سرية المداهمة)، والفرع 227 (فرع المنطقة)، فضلا عن وفيات سجن صيدنايا العسكري. وهذه الأرقام هي لفترة لا تتجاوز الشهر الثامن من العام الماضي. بينما تؤكد شهادات المعتقلين لدينا أن هناك عدّاد صامت يشير لوفاة أكثر من خمسين معتقلا يوميا في مختلف السجون والمعتقلات السورية منذ أوائل عام 2012، وقد أخذت أعداد الوفيات بالازدياد في بداية 2013. كما نقدر عدد من ماتوا بسبب التعذيب في سوريا منذ عام 2011 بأكثر من ثلاثين ألف معتقل.
وتدعم القوانين السورية ممارسة التعذيب وتشجع عليه وذلك بحماية عناصر الأمن والشرطة من مدنيين وعسكريين من الملاحقة الجزائية. فقانون إحداث إدارة أمن الدولة بالمرسوم 14 لعام 1968 علّق أي ملاحقة قانونية بحق عناصر إدارة أمن الدولة (المخابرات العامة) إلا بموافقة المدير. وهذا يعني أنه لا يمكن تحريك أي دعوى بحق أي عنصر أمن، وأن يقبل القضاء النظر فيها، سوى بعد الحصول على موافقة مدير إدارة أمن الدولة.
كما علق قانون العقوبات العسكري وأصول المحاكمات العسكرية ملاحقة أي عسكري أو الادعاء بحقه ومحاكمته لتصبح مشروطة بالحصول على أمر لزوم محاكمة من قبل وزير الدفاع أو من يفوضه.
ثم جاء القانون الذي أصدرته السلطات السورية برقم 55 بتاريخ 21 نيسان/أبريل 2011، والذي ألحق عناصر الضابطة العدلية وسائر الجهات الأخرى بالحماية القانونية الخاصة بالعناصر العسكرية، ما أدى إلى منع حق المقاضاة بشكل كامل عن كل الأشخاص الذين يمكن أن يمارسوا التعذيب وشكل عامل حماية واطمئنان لهم ليمارسوه وهم بعدين عن كل أشكال العقاب.
إن التعذيب في سوريا ليس سياسة ومنهجية فقط للسلطات السورية وإنما هو ركن أساسي من أركانها تستند إليه السلطة لتبقي أساسها راسخا. وإن اطمئنان ممارس التعذيب إلى عدم إمكانية ملاحقته هو العامل الأكثر تأثيرا باستمرار هذا الانتهاك وزيادته.
إن ما يمكن أن يفعله العالم وخاصة منظمات حقوق الإنسان هو أكثر من الكشف والفضح والتوثيق والتنديد الذي أثبت أنه مع أهميته الخاصة فإنه لا يشكل أي تهديد للنظام السوري ولهذا أهمله وتجاهله واستمر بسياسته بممارسة التعذيب بل زاد منها بشكل كبير دون رادع.
لقد سبق أن طالبنا كمنظمات حقوق إنسان بسوريا مرارا بإيجاد وسائل أكثر فاعلية لوقف عمليات التعذيب وانتهاك حقوق الإنسان بسوريا، بما يتجاوز الفضح والتنديد والتوثيق إلى خطوات عملية مؤثرة تتجلى بالضغط على الدول بإيجاد فسحة قضائية لتحريك الدعاوى أمامها بحق مرتكبي التعذيب، خاصة عندما يصل الضحايا إلى هذه الدول كزائرين أو مقيمين، ومساعدتهم للوصول لهذه المحاكم في ظل فشل القضاء المحلي بالنظر بمثل هذه القضايا.
كما أن قيام منظمات حقوق الإنسان بتوحيد جهودها لإنشاء محكمة مختصة لمحاكمات من هذا النوع حتى لو لم يكن قرارها واجب التنفيذ لدى الدول، سيكون له تأثير معنوي كبير يشكل دليل قوي وعامل ضغط إضافي وكبير على ممارسي التعذيب وعلى الدول الأخرى لفتح تحقيقات كما من شأنه أن يساعد بشكل كبير في قيام المحاكم القضائية بفتح ملفات التعذيب.
إن وقف التعذيب وإطلاق سراح المعتقلين تعسفيا هو أولوية قصوى للعمل الحقوقي والإنساني في سوريا. وقد بذلت المنظمات السورية الحقوقية والإنسانية جهودا جبارة لتوثيق هذه الانتهاكات. وعرض ناشطوها أنفسهم لأخطار كبيرة وصلت لحد التضحية بأرواحهم وحرياتهم من أجل إنجاز عمليات التوثيق (ويتوجب علي هنا أن أذكر الزميل المحامي خليل معتوق، والزميلة المحامية رزان زيتونة، ووائل حمادة، والزميل المحامي ناظم حمادة، وسميرة الخليل، ممن ما زال مصيرهم مجهولا، ومازن درويش، وهاني زيتاني، ورفاقهم في السجن وكثيرون غيرهم قدموا الكثير الكثير). ويتوجب على المجتمع الدولي وخاصة مجموع المنظمات الإنسانية أن تقدر جهود المنظمات السورية بإعطاء جهد إضافي ومميز واتخاذ خطوات عملية للمساعدة بوقف التعذيب والاعتقال التعسفي ومحاسبة مرتكبي التعذيب والخطف والاخفاء القسري لأن هذا هو الرد الأساسي والفعّال الذي يمكن أن يساعد على إنجاز هذه المهمة.
12-12-2014

* أنور البني – رئيس المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حازم صاغية

حازم صاغية يكتب: عرس بشّار وموت حلب

حازم صاغية يتكاثر المولعون ببشّار الأسد، أو أقلّه مَن «يفضّلونه على خصومه»، ...