الرئيسية / مدار / «الغارديان»: هذه قصة «داعش» من الداخل

«الغارديان»: هذه قصة «داعش» من الداخل

داعش من الداخل
الرابط المختصر:

نشرت صحيفة «الغارديان» البريطانية تحقيقاً أجراه مراسلها في الشرق الأوسط مارتن شولوف، استند فيه إلى مقابلات أجراها مع أحد قادة تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش) والذي كان سجيناً في قاعدة «بوكا» الأميركية في بغداد أثناء الغزو الأميركي للعراق، وبدا أنه نادم على انضمامه إلى ما أسماه «أكثر مجموعة إرهابية في العالم».

ويكشف أبو أحمد، الاسم الحركي للقائد في «داعش» عن كيفية نشوء التنظيم الذي يزعم أنه تعرّف إلى قائده ابو بكر البغدادي أثناء وجودهما في الفترة نفسها في سجن «بوكا» وكيف تحوّل الجهاد الذي خاضه على أساس أنه ضد «الجيش الأميركي المحتل» ليصبح قتالاً ضد الشيعة العراقيين الذين تعاونوا مع المحتل الأميركي لاضطهاد السنة الذين خسروا كل شيء مع الإطاحة بالرئيس العراقي الراحل صدام حسين.

واستناداً لأبي أحمد، فإن النظام السوري للرئيس بشار الأسد كان يشكل جسر الإمداد والعبور الرئيسي للمجاهدين من مختلف أنحاء العالم الذين انتلقوا إلى العراق بعد وصولهم إلى مطار دمشق ورافقهم مسؤولو أمن وضباط من الاستخبارات السورية إلى الحدود العراقية.

ويروي الكاتب أن العلاقة بين رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي والأسد أصبحت عدائية بعد حصول الاستخبارات العراقية على معلومات عن هجوم إرهابي يجري التخطيط له في دمشق بين ضباط أمن واستخبارات سوريين وبعثيين عراقيين وجهاديين، بهدف زعزعة استقرار العراق وتقويض حكومة المالكي فيه. وتنشر «المستقبل» في ما يلي الترجمة الحرفية للنص كما ورد على موقع الصحيفة الالكتروني على العنوان التالي:

http://www.theguardian.com/world/2014/dec/11/-sp-isis-the-inside-story

الأسد سمح لمعظم المقاتلين الأجانب بالمرور الى العراق عبر مطار دمشق

في صيف العام 2004، كان عدد من الجنود الأميركيين يسيرون ببطء مع أحد الجهاديين الشبان مقيداً بالأغلال والسلاسل إلى داخل سجن قاعدة «بوكا» في جنوب العراق. لقد بدا عصبياً حين اقتاده جنديان أميركيان إلى باحة داخلية بين ثلاثة أبنية مضاءة بشكل ساطع، ثم عبر ممر من الأسلاك الشائكة ليصل إلى باحة أخرى مفتوحة، كان فيها عدد من الرجال يرتدون الزي الموحّد للسجناء وهم يحدقون به.

قال لي في الشهر الماضي، «لقد تعرّفت على عدد منهم فوراً. كنت مرتعباً من نقلي إلى قاعدة بوكا وأفكر بقساوة الأمر طيلة الوقت الذي استغرقته رحلة نقلي بالطائرة. لكن في الواقع كان الأمر أفضل بكثير مما اعتقدت من جميع الأوجه».

الجهادي الشاب الذي يستخدم اسم «أبو أحمد»، دخل إلى قاعدة «بوكا» شاباً في مقتبل العمر قبل عقد من الزمن، وأصبح اليوم أحد كبار المسؤولين في الدولة الإسلامية «داعش»، حيث تسلّق المناصب والرتب برفقة عدد آخر من السجناء الذين التقاهم في «بوكا». ومثلما حدث معه، كان السجناء الآخرون في قاعدة «بوكا» من الذين اعتقلتهم القوات الأميركية من المدن والقرى العراقية، ونقلوا إلى القاعدة التي نالت شهرة واسعة، إذ إنها قلعة بُنيت في الصحراء، وشكّلت أحد معالم الوجود الأميركي في العراق.

يضيف أبو أحمد «لم يطل الأمر بالسجناء الآخرين للترحيب بي». لقد كانوا أيضاً مرتعبين من شهرة قاعدة «بوكا» لكنهم سرعان ما تبيّن لهم أنها لا تشبه أسوأ مخاوفهم. لقد وفّر لهم السجن الأميركي فرصة فريدة من نوعها.

وقال «لم يكن بإمكاننا أن نجتمع لو بقينا في بغداد أو أي مدينة أخرى. كان الأمر ليكون خطيراً جداً. في القاعدة لم نكن آمنين فحسب، بل كنا على بعد مئات الأمتار فقط عن كامل قيادة تنظم القاعدة».

في قاعدة «بوكا» التقى أبو أحمد للمرة الأولى بأبي بكر البغدادي، خليفة «داعش» والذي يوصف بأنه أكثر الإرهابيين العالميين خطورة. وقال أبو أحمد إنه «منذ البداية، بدا أن السجناء يطيعونه. حتى في تلك الأثناء كان اسمه أبو بكر. لكن لم يخطر ببال أحدنا أن الأمر سينتهي بأن يصبح قائداً».

وكان أبو أحمد عضواً رئيسياً منذ المراحل الأولى لنشأة التنظيم. لقد أصبح لديه حافز للجهاد منذ شبابه نتيجة الاحتلال الأميركي الذي اعتقد مثله مثل الكثيرين بأنه جاء ليفرض تغييراً بالقوة في النظام العراقي، منحازاً إلى جانب الأكثرية الشيعية ضد الأقلية السنية المهيمنة. وقاده دوره المبكر في التنظيم الذي سيتحول لاحقاً إلى «داعش»، إلى المنصب القيادي الذي يحتله اليوم مروراً بالتمرّد الناشئ الذي انتقل عبر الحدود إلى سوريا. وينظر معظم رفاقه إلى الفوضى التي تتخبط بها المنطقة، تنفيذاً لطموحاتهم في العراق الذي ظلّ بالنسبة إليهم هدفاً لم يتمكنوا من تحقيقه إلى أن وفرّت لهم الحرب في سوريا ساحة جديدة.

لقد وافق على الحديث علناً بعد سنتين من النقاشات، والذي تناول المسار الذي كشف عن ماضيه كواحد من أشرس المقاتلين في العراق، وعبّر عن قلقه العميق من تصوّر «داعش» للمنطقة. ومع الفوضى التي غرق فيها وسوريا، والشرق الأوسط الذي يرجّح أن ينتقل إلى مرحلة جديدة من الثورات الدموية على يد المتطرفين من أمثاله، بدا أبو أحمد بالتفكير بخياراته مرة ثانية. الوحشية التي يتميّز بها «داعش» تتناقض كلياً مع مبادئه، التي نضجت مع تقدّمه بالسن وبعدما أصبح مؤمناً بأن تعاليم القرآن يمكن تفسيرها وليس واجباً تطبيقها حرفياً.

لقد كانت الخيبات التي تعرّض لها سبباً دفعه إلى الحديث مع صحيفة «الغارديان» من خلال سلسلة من المحادثات المطوّلة، والتي توفّر نظرة معمّقة عن القائد الغامض والأيام الأولى للمجموعة الإرهابية تمتد من العام 2004 عندما التقى أبا بكر البغدادي للمرة الأولى في سجن قاعدة «بوكا» حتى العام 2011 عندما انتقل التمرّد إلى سوريا.

وفي العودة إلى قاعدة «بوكا»، كان السجين الذي سيتحول لاحقاً إلى أكثر الإرهابيين المطلوبين في العالم، قد عزل نفسه عن باقي السجناء الذين كان ينظرون إليه على أنه مبهم وغامض. غير أن أبي أحمد يتذكر أن السجانين الأميركيين كانوا يملكون فكرة مختلفة عن البغدادي كانوا يعتبرونه تصالحياً ونافذاً وله تأثير مهدئ في بيئة غير متيقنة من مصيرها، وكانوا يلجأون إليه لمساعدتهم على حل الخلافات التي تنشأ بين السجناء. وقال أبو أحمد «هذا كان جزءاً من دوره. لقد شعرت أنه كان يخفي شيئاً في داخله، جانباً مظلماً لم يكن يريد إظهاره أمام الآخرين. كان نقيضاً عن باقي الأمراء الذين كان أسهل التعامل معهم. كان بعيداً ومنعزلاً عن بقيتنا».

البغدادي

Abu Bakr al-Baghdadi, the leader of Isis.

أبو بكر البغدادي

ولد البغدادي باسم إبراهيم بن عوض البدري السامرائي في العام 1971 في مدينة السامراء العراقية. اعتقلته القوات الأميركية في الفلوجة إلى الغرب من بغداد في شباط 2004، بعد أشهر من إنشائه مجموعة مقاتلة باسم «جيش السنة الجماعة» التي امتدت جذورها إلى المجتمعات السنية المنتفضة في مسقط رأسه. وقال الدكتور هشام الهاشمي، المحلل ومستشار شؤون «داعش» لدى الحكومة العراقية لـ«الغارديان» إن البغدادي «اعتقل في منزل أحد أصدقائه ناصيف جاسم ناصيف، ثم نقل إلى سجن قاعدة بوكا. لم يعرف الأميركيون أبداً من هو». وبدا أن معظم السجناء زملاء البغدادي حوالى 24 ألف سجين موزعين على 24 مخيماً- لم يعرفوه أيضاً. وكان السجن يدار وفقاً لهيكلية متشددة ويفرضون زياً ملوّناً موحداً للسجناء ما يتيح للسجانين والسجناء على السواء التعرّف على مكانة كل سجين. وقال أبو أحمد «كان لون الزي الذي نرتديه يعكس وضعيتنا. إذا كنت أتذكر جيداً، فالأحمر كان للأشخاص الذين ارتكبوا أفعالاً داخل السجن، والأبيض للسجين القائد، والأخضر للمحكومين لفترة طويلة والأصفر والبرتقالي للسجناء العاديين».

عندما وصل البغدادي إلى قاعدة «بوكا» في سن الـ33، كان التمرّد السني ضد الاحتلال الأميركي بدأ يأخذ مداه في وسط وغرب العراق. الغزو الذي برّر على أنه حرب تحرير وتحوّل إلى احتلال قمعي. والسنة الذين همّشوا نتيجة الإطاحة بزعيمهم صدام حسين، قادوا التمرّد ضد القوات الأميركية، وسرعان ما حوّلوا قتالهم ضد المستفيدين من الإطاحة بصدام، الغالبية الشيعية في البلاد.

والمجموعة المقاتلة الصغيرة التي أنشأها البغدادي، كانت واحدة من العشرات التي نشأت من الثورة السنية الواسعة، والعديد منها ستتوحد تحت راية تنظيم «القاعدة» في العراق، ومن ثم تحت راية الدولة الإسلامية، والتي اجتاحت بقيادة البغدادي، معظم مناطق غرب ووسط العراق وشرق سوريا، واجتذبت الجيش الأميركي مجدداً إلى منطقة مضطربة بشكل كبير بعد أقل من ثلاث سنوات على مغادرتها وتعهّدها بعدم العودة.

لكن أثناء وجوده في سجن «بوكا»، لم تكن المجموعة المقاتلة للبغدادي معروفة، وكان هو شخصاً اقل أهمية من قائد التمرّد السني العام أبو مصعب الزرقاوي والذي كان يثير هاجس ومخاوف الكثيرين في العراق، أوروبا والولايات المتحدة الأميركية. غير أن البغدادي كان يملك أسلوباً فريداً في تمييز نفسه عن باقي الزعماء الطامحين في «بوكا» وخارج شوارع العراق الموحشة: النسب الذي سمح له الزعم بأنه من سلالة النبي محمد (صلعم). كما أنه يحمل درجة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية من الجامعة الإسلامية في بغداد، وسيستند إلى هاتين الميزتين لشرعنة تنصيب نفسه خليفة العالم الإسلامي في تموز 2014، الأمر الذي حقق شيئاً من المصير الذي كان رسمه لنفسه أثناء وجوده قبل عقد من الزمن داخل سجن «بوكا».

يضيف ابو أحمد «البغداد كان شخصاً هادئاً. كان لديه كاريسما. كنت تشعر بأنه شخص مهم. لكن كان هناك من هم أكثر أهمية. بصراحة لم أعتقد أنه سيصل بعيداً إلى هذا الحد».

وكان للبغدادي وسيلته مع السجانين أيضاً. واستناداً لأبي أحمد واثنين من السجناء الآخرين في «بوكا» في العام 2004، رأى فيه الأميركيون مدبّراً كان بإمكانه حل الخلافات بين الفصائل المتنافسة في السجن وإبقاء المخيم هادئاً. وأضاف «لكن مع مرور الوقت، في كل مرة كان هناك مشكلة في المخيم، كان البغدادي في وسطها. أراد أن يكون قائد السحن وعندما أتذكّر الآن- كان يستخدم سياسة السيطرة والتقسيم ليصل إلى مبتغاه، وهو المركز. ونجح ذلك الأسلوب معه». ومع حلول كانون الأول 2004، وجد سجّانوه أن البغدادي لم يعد يشكّل خطراً وسمحوا بإخلاء سبيله.

بناء الدولة الإسلامية

وقال أبو أحمد «كان الجيش الأميركي يحترمه جداً. إذا أراد زيارة أشخاص في مخيم آخر كانوا يسمحون له ولا يسمحون لنا بذلك. وفي كل تلك المدة، كانت هناك استراتيجية جديدة ينظّمها من تحت أنوفهم، وهي إقامة دولة إسلامية. لو لم يكن هناك سجن أميركي في العراق، لما قامت الدولة الإسلامية. بوكا كانت مصنعاً. لقد صنعتنا جميعنا وبنت ايديولوجيتنا».

وفيما كان «داعش» ينتشر في المنطقة، كان من يقوده رجال أمضوا أوقاتاً في مراكز الاعتقال الأميركية خلال فترة الاحتلال الأميركي للعراق فإلى جانب «بوكا»، أدارت القوات الأميركية أيضاً «كامب كروبر» بالقرب من مطار بغداد الدولي، لفترة 18 شهراً في بداية الحرب، سجن «أبو غريب» في الضواحي الغربية للعاصمة. والعديد من الذين خرجوا من هذه السجون – وبعض كبار الضباط الأميركيين الذين كانوا يديرون هذه المعتقلات، كانت لديهم تأثيرات نارية على التمرد السني.

وقال علي الخضيري، المساعد الخاص لجميع السفراء الأميركيين الذين خدموا في العراق بين العامين 2003 و2011، ولثلاثة قادة للقوات الأميركية في العراق «لقد شاركت في العديد من الاجتماعات التي كان يأتي فيها شبان ليبلغونا كيف كانت جميع الأمور تسير بشكل جيد». غير أن العديد من كبار القادة العسكريين الأميركيين خلصوا إلى الاعتقاد بأنهم كانوا في الواقع «يدفعون عناصر إلى التطرّف. كانوا غير منتجين في العديد من النواحي. كانوا يستخدمون من أجل التخطيط والتنظيم، وتعيين القادة وشن العمليات».

وقال أبو أحمد «كنا نسجّل تفاصيل كل واحد منا على الجانب الداخلي من ملابسنا الداخلية وعندما خرجنا من السجن اتصلنا ببعضنا البعض»، مضيفاً «في السجن، كان جميع الأمراء يجتمعون بشكل دوري. لقد أصبحنا مقرّبين من جميع الذين سجنوا معنا. كنا نعرف قدراتهم. كنا نعلم ما بمقدورهم أن يقوموا به وما لا يستطيعون لأي سبب كان. وأهم الذين كانوا في بوكا هم أولئك المقربون من الزرقاوي. لقد تم الاعتراف به في العام 2004 بأنه زعيم الجهاد».

أضاف «كان لدينا الوقت الكافي للجلوس والتخطيط. كانت البيئة المثالية. اتفقنا جميعاً على الاجتماع معاً بعد خروجنا من السجن. كانت طريقة التواصل سهلة. كنا قد دوّنا جميع تفاصيل أرقامنا على «مطاط» ألبستنا الداخلية. عندما خرجنا تواصلنا مع بعضنا. كل ما هو مهم بالنسبة إلينا كان مدوناً على «المطاط». كانت لدي أرقام هواتفهم وعناوينهم في قراهم. ومع حلول العام 2009، عاد معظمنا للقيام بما كان يقوم به قبل اعتقالنا. لكن هذه المرة، كنا نقوم به بشكل أفضل».

واستناداً لهشام الهاشمي المحلل المقيم في بغداد، فإن الحكومة العراقية قدّرت أن 17 من أصل أهم 25 قائداً في الدولة الإسلامية الذين يقودون الحرب في العراق وسوريا، أمضوا أوقاتاً في السجون الأميركية بين 2004 و2011. بعضهم تم نقله من السجون الأميركية إلى أخرى عراقية حيث حصلت سلسلة من عمليات الفرار الجماعية في السنوات القليلة الماضية التي أتاحت للعديد من كبار القادة الفرار من السجون والانضمام إلى صفوف المتمردين. وشهد سجن «أبو غريب» أكبر عملية فرار وأكثرها ضرراً في العام 2013، حيث فرّ حوالى 500 سجين، كان العديد منهم من كبار الجهاديين الذين تم تسليمهم من قبل القوات الأميركية التي غادرت العراق في تموز من العام نفسه، إثر اجتياح قوات الدولة الإسلامية للسجن، ومن ثم شنها لهجوم ناجح آخر على سجن «تاجي» القريب.

وأغلقت الحكومة العراقية في نيسان 2014 سجن «أبو غريب» الذي يقع على بعد 15 ميلاً إلى الغرب من بغداد بالقرب من الخط الفاصل بين «داعش» والقوات الأمنية الحكومية العراقية التي تبدو دائماً غير مستعدة وتراقب الطريق السريع الذي يربط بين الفلوجة والرمادي.

لقد تحولت بعض مناطق هاتين المدينتين إلى مناطق محظورة على القوات الحكومية العراقية التي تتعرّض للضرب والاذلال من قبل «داعش»، هذه المجموعة من اللصوص التي لم تشهد لها بلاد ما بين النهرين منذ أيام المغول. عندما زرت السجن المهجور في أواخر الصيف الماضي، كانت مجموعة من القوات العراقية قد أقامت نقطة للتفتيش على الطريق الرئيسية إلى بغداد، انهمك عناصرها في تناول البطيخ فيما كانت أصوات القذائف المدفعية تُسمع من بعيد. كانت الجدران الشاهقة لأبو غريب خلفهم في ما كان أعداؤهم المجاهدون يحتشدون على بعد مئات الأمتار على الطريق.

لقد كان لكشف الانتهاكات الكبيرة في سجن «أبو غريب» تأثير على العديد من العراقيين الذين اندفعوا في التطرف بعدما شاهدوا أن ما يزعم أنها مدنية وحضارة الاحتلال الأميركي، لم تكن تفرق بكثير عن وحشية صدام. ورغم أنه لم يتم الإبلاغ عن الكثير من الانتهاكات في سجن «بوكا» قبل إغلاقه في العام 2009، غير أن العراقيين كانوا ينظرون إليه على أنه رمز لسياسة ظالمة تجلت باعتقال أزواج وآباء وأبناء بعضهم من غير المقاتلين- خلال حملات المداهمة في الضواحي، أودعوا بعدها السجن شهوراً وبعضهم سجنوا سنوات.

وفي تلك الفترة، كان الجيش الأميركي يعتبر أن عمليات الاحتجاز شرعية وأنها ممارسات مشابهة لتلك التي اعتمدتها قوات أخرى ضد حركات التمرّد، كما البريطانيين في أيرلندا الشمالية، الإسرائيليين في غزة والضفة الغربية، وممارسات النظامين السوري والمصري.

An Islamic State fighter in Raqqa, Iraq.

مقاتل من داعش في شوارع الرقة

وحتى الآن، وبعد خمس سنوات على إغلاق «بوكا»، يدافع البنتاغون عن السجن ويصفه بأنه كان سياسة حكيمة خلال أوقات مضطربة. وقال المقدم مايلز ب. كاغينز الثالث، أحد الناطقين باسم وزارة الدفاع الأميركية لشؤون الاعتقالات «خلال العمليات العسكرية في العراق بين العامين 2003 و2011، اعتقلت القوات الأميركية آلاف الأشخاص وفقاً لقوانين الحروب. هذا النوع من الاعتقالات ممارسة طبيعية خلال النزاعات المسلحة. اعتقال أشخاص خطيرين محتملين، هو الوسيلة القانونية والإنسانية لتأمين الأمن والاستقرار للسكان المدنيين».

إطلاق سراح أبو أحمد

وفي منتصف العام 2005، وبعد ستة أشهر تقريباً على خروج البغدادي من «بوكا»، أطلق سراح أبو أحمد. وبعدما نقل إلى مطار بغداد، أقلّه رجال كان التقى بهم في «بوكا». أخذوه إلى منزل في غرب العاصمة، حيث انضم مباشرة إلى الجهاد، والذي تحوّل من معركة ضد جيش محتل إلى حرب دموية لا تهدأ ضد الشيعة العراقيين.

كانت «فرق الموت» تجول في حينها في شوارع بغداد ومعظم أنحاء وسط العراق، تقتل أبناء المذهب الآخر بوحشية ظاهرة، وتطرد السكان من الضواحي التي تسيطر عليها. سرعان ما تحوّلت المدينة التي غادرها أبو أحمد قبل عام تقريباً، إلى مكان مختلف كلياً. لكن ونظراً للوفود المستمر للسجناء إلى «بوكا»، كان أولئك الذين في داخل السجن قادرين على مراقبة التطورات التي تحوّلت إلى حرب مذهبية. وكان أبو أحمد يعرف البيئة التي انتقل إليها وكان لقادته في السجن مخططات له.

وكان الشيء الأول الذي قام به عندما أصبح آمناً في غرب بغداد، نزع ثيابه وقص الرباط المطاطي لملابسه الداخلية. وقال «قطعت الرباط المطاطي لسروالي الداخلي وكانت جميع الأرقام عليه. اتصلنا ببعضنا وبدأنا العمل». وفي جميع أنحاء العراق، كان السجناء المفرج عنهم يقومون بالشيء نفسه. «فعلاً كان الأمر بسيطاً» أضاف أبو أحمد الذي ابتسم للمرة الأولى خلال أحاديثه الطويلة معي، بعدما استعاد مشهد خداع سجانيه. وقال «لقد ساعدتنا الثياب الداخلية على كسب الحرب».

واستنادأً لأبي أحمد، أراد الزرقاوي لحظة شبيهة بـ 11/9 لتصعيد الحرب الشيء الذي سينقل الصراع إلى قلب العدو. في العراق، كان ذلك يعني واحداً من هدفين مقر قيادة شيعي، أو ما هو أفضل، تحديد هدف مذهبي. وفي شباط 2006، وبعد شهرين لاحقاً، دمّر انتحاريو الزرقاوي مقام «الإمام العسكري» في السامراء إلى الشمال من بغداد. لقد اشتعلت الحرب المذهبية ووصلت إلى الذروة، وتحققت طموحات الزرقاوي.

ولدى سؤاله عن مكاسب هذا الاستفزاز الدموي قال أبو أحمد «هذا كان سبباً لإشعال الحرب. لم يكن الأمر لأنهم شيعة، بل لأن الشيعة كانوا يسيرون إليها. لقد كان الجيش الأميركي يسهّل عملية السيطرة على العراق وإعطائهم السلطة. لقد كانوا متعاونين في هذا الأمر».

ثم أضاف متحدّثاً عن الرجل الذي أعطى الأوامر «الزرقاوي كان ذكياً جداً. كان أفضل رجل استراتيجي حصلت عليه الدولة الإسلامية». وقال «أبو عمر (البغداد) كان بلا رحمة» في إشارة إلى خليفة الزرقاوي، بعدما لقي الأخير مصرعه في غارة أميركية استهدفته في نيسان 2010، مضيفاً «أما أبو بكر فهو أكثر المتعطّشين للدماء بينهم جميعهم».

وتابع «بعد مقتل الزرقاوي، أصبح الأشخاص الذين يحبون القتل أكثر منه، مهمّين جداً داخل التنظيم. لقد كان فهمهم للشريعة والإنسانية ضيعفاً جداً. لا يفهمون معنى التوحيد كما يجب أن يكون. لا يمكن فرض التوحيد بالحرب».

ورغم التحفظات التي بدأ يشعر بها، كانت الحرب تستعر في العام 2006 وأصبح أبو أحمد جزءاً من آلة القتل التي عملت بسرعة قصوى خلال العامين التاليين. لقد هجّر ملايين الأشخاص، وطهّرت الضواحي إلى الحدود المذهبية، وأخضع عدد كبير من السكان إلى وحشية لا يمكن وصفها. وفي ذلك الصيف، تمكّنت القوات الأميركية أخيراً من الزرقاوي بمساعدة من الاستخبارات الأردنية، واغتالته بواسطة غارة جوية في شمال بغداد. ومنذ أواخر العام 2006، تراجع نمط التنظيم إعاقته ثورة قبلية اقتلعت معظم قياداته من الأنبار وقلّصت تواجده في مناطق أخرى في العراق. لكن استناداً لأبي أحمد، فإن التنظيم استغل هذه الفرصة للتطوّر، والكشف عن براغماتية إلى جانب الأيديولجية المتطرفة. وبالنسبة للدولة الإسلامية، كانت السنوات بين 2008 و2011 سنوات هدوء وليس هزيمة.

لكن هذه المرة، برز أبو بكر البغدادي بشكل ملحوظ في صفوف المجموعة، وأصبح المساعد الموثوق لزعيمها أبو عمر البغدادي ونائبه «الجهادي المصري» أبو ايوب المصري. في تلك المرحلة، استناداً لأبي أحمد، بدأ «داعش» بمقاربة بقايا البعثيين من النظام القديم الأعداء الأيديولوجيين الذين لديهم العدو نفسه: الولايات المتحدة الأميركية والحكومة المركزية الشيعية في بغداد التي تدعمها.

وتحت شعار «عدو عدوي هو صديقي» بدأ التواصل بين «داعش« والبعثيين الذين فقدوا كل شيء بعد الإطاحة بصدام حسن. غير أن ابي أحمد ومصادر أخرى قالت إنه في مطلع العام 2008، بدأت الاجتماعات بين «داعش« والبعثيين تحصل دورياً لكن في مناطق بعيدة، والعديد منها حصلت في سوريا.

لطالما أثار المسؤولون الأميركيون في بغداد والحكومة العراقية مسألة العلاقات بين سوريا والمتمردين السنة في العراق. لقد كان الفريقان مقتنعين بأن الرئيس السوري بشار الأسد سمح للجهاديين بالسفر إلى مطار دمشق ثم مرافقتهم من قبل مسؤولين عسكريين سوريين إلى الحدود مع العراق. وقال أبو أحمد «جميع الأجانب الذين أعرفهم وصلوا إلى العراق بهذه الطريقة. لم يكن الأمر سراً».

وبدءاً من العام 2008، عندما بدأت الولايات المتحدة مناقشة مسألة نقل سلطاتها إلى المؤسسات الأمنية العراقية الضعيفة والتحضير بالتالي لعملية خروجهم من العراق لجأ الأميركيون الى عدد قليل من المسؤولين في الحكومة العراقية الذين يمكن الوثوق بهم. وأحد هؤلاء كان اللواء حسين علي كمال، مدير الاستخبارات في وزارة الداخلية العراقية. وكمال، كردي عراقي علماني، نال ثقة المؤسسة الشيعية، وكانت إحدى مهامه الرئيسية تأمين بغداد ضد الهجمات الإرهابية.

شكوك عراقية في دور سوريا

ومثل الأميركيين، كان الجنرال كمال مقتنعاً بأن السوريين يزعزعون استقرار العراق، وهي قناعة ترسّخت نتيجة استجواب العديد من الجهاديين الذين اعتقلتهم قواته. وطيلة العام 2009، وفي سلسلة من المقابلات، بيّن لي كمال أدلته مستخدماً خرائط وضع عليها علامات تظهر الطرق التي يستخدمها الجهاديون لعبور الحدود إلى غرب العراق، والاعترافات التي تؤكد علاقة ضباط من الاستخبارات السورية بعملية انتقالهم من سوريا.

ومع انحسار نشاط «داعش» في العراق في تلك الفترة، ازداد هاجس الجنرال كمال باجتماعين عقداً في سوريا مطلع العام 2009، جمعا جهاديين عراقيين مع مسؤولين سوريين وبعثثين من البلدين. وسمح لي كمال (الذي شخصت إصابته بنوع نادر من السرطان في مطلع العام 2012 وتوفي في وقت سابق من العام الحالي)، بنشر تفاصيل محادثاتنا. وقال لي في الاجتماع الأخير الذي عقدناه في حزيران 2014 «قل الحقيقة». عندما التقيته للمرة الأولى في العام 2009، كان يغوص في قراءة تفاصيل تسجيلات عن احتماعين سريين عقدا في منطقة الزبداني بالقرب من العاصمة السورية دمشق في ربيع ذلك العام. وكان من بين الحضور كبار البعثيين العراقيين الذين فروا إلى سوريا منذ الإطاحة بصدام، ومسؤولين رفيعين من الاستخبارات السورية، وعدد من كبار المسؤولين في ما كان يسمّى آنذاك «تنظيم القاعدة» في العراق. لقد طوّر السوريون علاقاتهم مع الجهاديين منذ الأيام الأولى للانتفاضة ضد الأميركيين، واستخدموهم من أجل زعزعة الأميركيين ومخططاتهم للعراق.

وقال علي الخضيري المستشار السابق للسفراء الأميركيين وكبار القادة العسكريين الأميركيين في العراق «منذ العامين 2004 و2005، بدأ الجهاديون الإسلاميون والبعثيون المشتتون بالانضمام إلى بعضهم البعض. كانوا بطبيعتهم منضبطين ومنظّمين جيداً، ويعرفون الأرض وطبيعتها. ومع الوقت، تحوّل بعض الذين كانوا بعثيين إلى إسلاميين واستعرت الانتفاضة. ومع حلول العام 2007، كان الجنرال دافيد بترايوس يقول إن هناك معلومات مؤكدة وواضحة عن التعاون بين الاستخبارات العسكرية السورية والجهاديين، رغم أن الحوافز لم تلتق بينهما 100%».

وشدّد أبو أحمد على العلاقة السورية بالتمرد العراقي وقال «جاء جميع المجاهدين من سوريا. لقد عملت مع العديد منهم. الذين كانوا في بوكا سافروا إلى دمشق، وعدد قليل منهم جاء عبر تركيا أو إيران. لكن معظمهم جاء إلى العراق بمساعدة السوريين».

وكان المسؤولون العراقيون ينظرون إلى خط الإمداد هذا على أنه تهديد وجودي للحكومة العراقية، وأنه المصدر الرئيسي للعلاقة السامة بين نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي آنذاك، وبشار الأسد. لقد كان المالكي مقتنعاً في مطلع الحرب الأهلية بأن الأسد كان يحاول زعزعة نظامه كوسيلة لإحراج الأميركيين، والإثبات الذي حصل عليه من الاجتماع في دمشق في العام 2009، زاد من كراهيته للرئيس السوري وذهب بمعاداته إلى مستوى جديد.

وقال الجنرال كمال في تلك الفترة «كان لدينا مصدر في غرفة الاجتماع مزوّد بجهاز تنصّت. كان أعلى مصدر لدينا. وبحسب معلوماتنا، كان هذا الاجتماع الأول الذي يعقد على هذا المستوى الاستراتيجي بين هذه المجموعات. لقد شكّل ذلك مرحلة جديدة في التاريخ».

واستناداً لمصدر الجنرال كمال، ترأس البعثيون الاجتماع الذي كان يهدف إلى شن سلسلة من الهجمات النوعية في بغداد، وبالتالي تقويض حكومة المالكي الشيعية في العاصمة العراقية التي كانت بدأت للمرة الأولى تمسك بزمام بعض المراكز القيادية في الحكومة بعد الحرب الأهلية. وحتى تلك الفترة، كانت «القاعدة» في العراق والبعثيون على عداء أيديولوجي شديد، لكن ازدياد سلطة الشيعة، وداعميهم في إيران، دفعهم إلى الاجتماع والتخطيط لشن هجوم كبير في العاصمة العراقية.

ومع حلول تموز 2009، عزّزت وزارة الداخلية العراقية التدابير الأمنية على جميع نقاط العبور على نهر دجلة باتجاه بغداد، ما جعل حركة المرور في جميع أوقات النهار، صعبة ومرهقة أكثر من السابق. في تلك الفترة، تلقى الجنرال كمال رسالة من مصدره في سوريا. لقد أبلغه أنه تم رصد جميع الجسور والإجراءات الأمنية على نقاط العبور من قبل مخططي الهجمات، وأنه تم تحديد أهداف جديدة لكنه لم يكن يعرف ما هي، أو متى موعد مهاجمتها. وخلال الأسبوعين اللذين تليا، كان الجنرال كمال يعمل بكد حتى أوقات متأخرة من المساء في مكتبه المحصّن في ضاحية عراسات الجنوبية من بغداد، قبل أن ينتقل بموكب مصفّح يجتاز جسر «14 تموز» الذي استهدف قبل أيام قليلة- إلى منزله داخل المنطقة الخضراء. ولبقية الشهر، ظل الجنرال كمال يمضي ساعات طويلة بممارسة الرياضة داخل مكتبه آملاً أن يتمكّن من تصفية ذهنه ليتمكن من استباق المخططين. وقال لي في الاجتماع الأخير قبل أن يتمكن المنفّذون من شن هجومهم «قد أكون أخسر بعض الوزن، لكني لا أستطيع إيجاد الإرهابيين. أعرف أنهم يخططون لشيء كبير».

هجوم إرهابي في بغداد

وفي صبيحة 19 آب، انفجرت أولى ثلاث شاحنات نقل كبيرة تجر خزانات مياه سعتها ألف ليتر مليئة بالمتفجرات، بالقرب من مقر وزارة المال في جنوب شرق بغداد. وسمع صوت الانفجار في جميع أنحاء المدينة، وبعد ثلاث دقائق، انفجرت الشاحنة الثانية بالقرب من وزارة الخارجية على الضفة الشمالية من المنطقة الخضراء، وبعد وقت قليل سُمع انفجار الشحنة الثالثة بالقرب من وزارة المالية. قتل في سلسلة الهجمات أكثر من 100 شخص وجرح أكثر من 600 آخرين. لقد كان واحداً من أكثر الهجمات الدموية خلال الانتفاضة العراقية التي قامت منذ ست سنوات.

وقال لي الجنرال كمال في ذلك اليوم «لقد فشلت. لقد فشلنا جميعنا». وبعد ساعات قليلة على التفجيرات، استدعي الجنرال كمال إلى مكتب المالكي الذي كان موجوداً برفقة مسؤوليه الأمنيين. لقد كان رئيس الوزراء غاضباً. أضاف كمال «لقد قال لي بأن أقدّم المعلومات التي معي إلى السوريين. لقد دبّرنا المسألة مع تركيا لكي تكون وسيطاً وسافرت إلى أنقرة للاجتماع بهم. لقد أخذت الملف معي، ولم يكن بإمكانهم المجادلة مع الأدلة التي لدي وأظهرتها أمامهم». لقد كانت القضية قوية والسوريون يعرفون ذلك. لقد كان اللواء علي المملوك رئيس الأمن السوري هناك. أضاف كمال «كل ما فعله هو النظر إلي والابتسام قبل أن يقول لن أعترف بأي مسؤول من دولة لا تزال تحت الاحتلال الأميركي. إنها مضيعة للوقت». لقد استدعى العراق سفيره من دمشق، وردّت سوريا باستدعاء سفيرها من بغداد. وخلال بقية ذلك العام وحتى مطلع العام 2010، ظلت العلاقات بين المالكي والأسد مسمومة.

وفي آذار 2010، وبناء على معلومة أميركية، اعتقلت القوات العراقية قائداً من الدولة الإسلامية يدعى مناف عبد الرحيم الراوي، والذي تبيّن أنه احد القادة الرئيسيين للتنظيم في بغداد، وأحد القلائل الذين يتواصلون مع زعيم الدولة آنذاك أبو عمر البغدادي. واستجوب الراوي وكشف عما يملكه من معلومات. وفي لحظة نادرة، تعاونت الأجهزة الاستخباراتية العراقية الثلاثة الرئيسية، بما فيها جهاز الاستخبارات التابع للجنرال كمال، وخططت من أجل إيصال جهاز تنصّت ورصد بواسطة الأقمار الصناعية زرع داخل باقة من الورود تم إيصالها إلى مقر أبو عمر.

وبعد التأكد من وجود أبو عمر ونائبه أبو أيوب المصري في منزل يبعد ستة أميال إلى الجنوب الغربي من تكريت، شنت القوات العراقية هجوماً بقيادة أميركية عليه. وفجّر القائدان سترتين كانا يرتديانها لتجنّب وقوعهما في الأسر. تمت مصادر أجهزة كومبيوتر وجدت فيها رسال موجهة إلى أسامة بن لادن وأيمن الظواهري. وكما المنزل الآمن لبن لادن في باكستان والذي قتل في داخله بعد أقل من عام، لم يكن في منزل أبو عمر أي اتصال بواسطة الانترنت أو خطوط هاتفية وجميع الرسائل المهمة كان يتم نقلها بواسطة ثلاثة رجال فقط. أحدهم كان أبو بكر البغدادي.

وقال أبو أحمد «كان أبو بكر رسولاً لأبي عمر. لقد أصبح مساعده المقرّب. لقد كان يكتب هو شخصياً بعض الرسائل التي تنقل إلى أسامة بن لادن، لكن جميع الرحلات كانت تبدأ من عنده. وبعد مقتل أبي عمر، تولى القيادة أبو بكر. وفي ذلك الوقت أصبحنا جميعنا الذين كنا في بوكا مهمين مرة أخرى».

لقد شكّل مقتل أبي عمر البغدادي وأبي أيوب المصري ضربة قوية لـ»داعش»، لكن الأدوار التي خّلفوها سرعان ما تم ملؤها بواسطة «نادي سجناء بوكا»، والذين كانت القيادة العليا فيه قد بدأت التحضير لهذه اللحظة منذ وجودها خلف القضبان في سجنها جنوب العراق. وقال أبو أحمد «بالنسبة لنا، كان أكاديمية. لكن بالنسبة لهم كبار القادة- كانت مدرسة إدارة. لم يحدث فراغ أبداً لأن الكثير من الجهاديين تم تعليمهم داخل السجن».

وأضاف «عندما أصبحت الحرب الأهلية السورية خطيرة، لم يكن صعباً نقل كل الخبرات التي لدينا إلى ميدان معارك جديد. العراقيون أصبحوا من أهم الأشخاص في الهيكلية العسكرية ومجالس الشورى في الدولة الإسلامية، وكل ذلك يعود إلى سنوات التحضير لمثل هذه الظروف. لقد قللت من شأن البغدادي، والولايات المتحدة قللت من الدور الذي لعبته في جعله ما هو عليه اليوم».

لا يزال أبو أحمد عضواً في «داعش». وهو ناشط مهم في عمليات الدولة في العراق وسوريا. وخلال محادثاتنا، صوّر نفسه على أنه رجل متردد بالبقاء مع المجموعة، لكنه مع ذلك، غير راغب بالمخاطرة في محاولة الابتعاد عنها.

وقال إن الحياة مع «داعش» تعني السلطة، المال، الزوجات والمكانة- وجميعها مغريات لشبان لديهم قضية لكنها تعني أيضاً القتل والسيطرة بطريقة لم يعد يؤمن بها بعمق. وأضاف إن «مئات الشبان مثل الذين اجتذبوا إلى الجهاد السني عقب الغزو الأميركي، لا يؤمنون بأن المظاهر الأخيرة التي تكشّفت عن الحرب المستمرة منذ عقد من الزمن، لا تزال متعلقة بحقيقة جذورها».

وقال أبو احمد «أكبر غلطة ارتكبتها هي الانضمام إليهم»، لكن أضاف بأن ترك التنظيم اليوم يعني «أني سأقتل وعائلتي بالتأكيد». البقاء مع التنظيم وتعزيز نظرته الوحشية للأمور، رغم رفضه لها، لا تشكل مشكلة لأبي أحمد الذي يرى أن لديه خيارات عدة أخرى.

أضاف «ليس أني لم أعد أؤمن بالجهاد. لا أزال مؤمناً. لكن ما هي الخيارات التي لدي؟ إذا ابتعدت أموت».

ويختم «هناك آخرون ليسوا عقائديين» في إشارة إلى بعض كبار قادة «داعش» المقربين من البغدادي، مضيفاً «أناس ابتدأوا من بوكا مثلي. ثم كبرت القضية وأصبحت أكبر من أي منا. لا يمكن وقف ذلك الآن. لم تعد تحت سيطرة أي رجل. ليس البغدادي ولا أي شخص آخر في دائرته».

ترجمة: صلاح تقي الدين

عن جريدة المستقبل اللبنانية 12/12/2014

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

956-400x259_983715_large

كاتب لبناني: اهداف “حزب الله” بعد حلب

وكالات-مدار اليوم ترتكز روسيا وإيران على نتيجة معركة حلب للاستثمار السياسي، ولأجل ...