الرئيسية / مقالات / ماذا لو ردت دمشق على الغارة؟

ماذا لو ردت دمشق على الغارة؟

الرابط المختصر:

عيسى الشعيبي – الغد الأردنية

عيسى الشعيبي

تندرج هذه المطالعة في باب الرياضة الذهنية الخالصة من كل سوء نية، أو رغبة في التشهير أو الإحراج؛ تصدر عن صاحب موقف لديه ما يقوله عن النظام الذي يواصل الخوض في دماء شعبه. إذ إن ما نحن بصدده هو فرضية من خارج الصندوق، تنطوي على شيء من التمنيات، وتقوم على قاعدة نظّرت لها القيادة السورية في السابق، مفادها أن عدم الرد على التهديدات والتحديات، أكثر كلفة من الرد ذاته.
وبغض النظر عما استهدفه العدوان الإسرائيلي الأخير على ضواحي دمشق، فقد بدت هذه الغارة أشد تحدياً من سابقاتها، وأكثر عربدة مما عداها طوال السنوات الأربع الماضية، خصوصاً أنها تمت في وضح النهار على عكس الغارات الليلية المعتادة، وأن الطائرات المغيرة حلّقت على علوّ منخفض، آمنة مطمئنة إزاء الدفاعات الجوية التي سبق لوليد المعلم أن حذر طائرات التحالف الدولي منها. وفوق ذلك، سارع الإعلام الرسمي السوري وأعلن من دون تردد، عن وقوع العدوان الآثم، منوها أنه لا توجد إصابات في الأرواح، وأن الخسائر المادية طفيفة.
على إثر ضربة جوية مماثلة، حدثت أوائل العام 2013، قالت دمشق في حينه لكل من تخاطبهم مثل هذه الاستفزازات المتكررة، في الداخل والخارج، إنها ضاقت ذرعاً، ولم يعد في وسعها التحمل أكثر، وأنها سترد في المرة المقبلة، متخلية بذلك عن صبرها الطويل، وصمتها المهين، لاسيما أنها تحتفظ منذ نحو أربعين سنة بحقها في الرد، في الزمان والمكان الملائمين. فهل هناك اليوم وقت أفضل لممارسة حق الرد، أكثر من هذا الوقت الذي دخلت فيه الأزمة الداخلية نقطة استعصاء لا سبيل إلى تجاوزها، من دون إعادة خلط الأوراق، وإعادة توجيه دفّة الأحداث، وتصعيب الموقف على كل الخصوم والأعداء؟
ذلك أن الاشتباك المحدود، والمحسوب جيداً مع إسرائيل، يمكن له أن يقلب الطاولة على الجميع، وأن يملي عليهم إعادة الحسابات، وربما مراجعة الاصطفافات والتموضعات. كما أن من شأن رد مبني على الحق المشروع في الدفاع عن النفس، أن يرد الاعتبار لنظام يصف نفسه بالمقاوم والممانع، وأن يسترد به شعبية داخلية تآكلت بشدة، كمقدمة لا مفر منها كي تستعيد دمشق الرسمية شرعية مطعونا بها، وتمنح خطابها السياسي ما بات يفتقر إليه من مصداقية، فوق أن المجابهة مع إسرائيل تزيدها قوة ولا تضعفها.
ومن الواقعي الافتراض أن تسخين الجبهة من إسرائيل، ولو كان ذلك جزئياً ووقتياً، قد يؤدي إلى فتح كوة في الجدار المسدود بين النظام وبعض قوى المعارضة، وأن يملي على بعض المجموعات ضرورة إعادة النظر في مواقفها في بلد دخل في مواجهة عسكرية مع العدو الذي لا يمكن لطرف أن يغض البصر عن عدوانه. إذ من المقدر لمثل هذا التطور في السياق الأشمل، أن يتيح فرصة ملائمة لكلا الجانبين، من أجل إعادة تدوير الزوايا الحادة، وإجراء مقاربات موضوعية جديدة، تسمح بوضع حد للكارثة.
وعليه، وبقدر ما يشكل الرد على الغارة تحدياً كبيراً لنظام تعرف إسرائيل أولى أولوياته سلفاً (الحفاظ على السلطة)، فإنه ينطوي على فرصة ذهبية لإعادة تأهيل النظام، وتعزيز سياج سيادته المستباحة جواً وأرضاً، واسترداد مكانته في المنظومة العربية. وهو أمر لا يمكن تحقيقه بالمضي قدماً في معزوفة التصدي للمؤامرة الكونية، أو التعويل على زرع عبوة ناسفة على الحدود اللبنانية، واستهلاك الذات في معارك موضعية، لا تحسم ولا تغير الموقف الاستراتيجي.
غير أن الخلل البنوي الذي يعتري مثل هذه الفرضية، القائمة على قاعدة أن الرد على العدوان أقل كلفة من عدم الرد، وأن في الأمر مكاسب استراتيجية تفوق الخسائر التكتيكية، ماثل في حقيقة أن النظام متمترس في نظرية حرب بقاء مع خصومه في الداخل، وغارق من أخمص قدميه حتى أعلى رقبته في نظرية المؤامرة، ومعول على عنصر الزمن الذي لا يعمل لصالحه، ومراهن على السماح له بالانضمام إلى التحالف الدولي، إجبارياً، في وقت لاحق. وهي افتراضات ورهانات لا تسمح، في العادة، لأصحابها المأزومين بإعادة الحسابات وتغيير جدول الأولويات، والكف عن خداع الذات.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عبد القادر عبد اللي

عبد القادر عبد اللي يكتب: شرارة قصف القوات التركية تتوهج

عبد القادر عبد اللي بيان هيئة أركان القوات المسلحة التركية، حول هوية ...