الرئيسية / مقالات / هل تقدم أميركا المتهمين بالتعذيب للعدالة؟!

هل تقدم أميركا المتهمين بالتعذيب للعدالة؟!

الرابط المختصر:

د. عبد الحميد الأنصاري – الاتحاد الاماراتية

عبد الحميد الأنصاري

كشف تقرير للجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأميركي عن عمليات تعذيب ممنهجة قامت بها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) أثناء تحقيقاتها مع المعتقلين المتهمين بالإرهاب في عهد بوش الابن، بغية انتزاع معلومات منهم. ويعتمد التقرير (500 صفحة)، وهو ملخص لتقرير أكبر (6 آلاف صفحة)، على 6 ملايين وثيقة استخباراتية، ليسلط الضوء على العمليات المهينة لآدمية المعتقلين، والتي قامت بها وكالة الاستخبارات في حقهم داخل سجون سرية وفي معتقل جوانتنامو الرهيب، في غيبة العدالة والقضاء والرأي العام.. فتفننت في ممارسة التعذيب ضدهم؛ من الإيهام بالغرق والحرمان من النوم إلى إعادة السوائل في الجسم عبر المستقيم، وتسليط موسيقى صاخبة، والضرب المبرح إلى حد يفقد المتهم وعيه.. إلخ.

إن هذا التقرير أساء لصورة أميركا وسمعتها، كما اعترف الرئيس أوباما، كما هز مصداقيتها في مجال حماية حقوق الإنسان، والتي طالما تظاهرت بالدفاع عنها.

وأن يأتي تقرير موثق من سلطة تشريعية عليا، يصف أساليب استجواب المتهمين بـ«الوحشية»، ومن دولة هي «زعيمة العالم الحر» دأبت على إصدار تقارير دورية تنتقد سجلات الدول الأخرى في مجال حقوق الإنسان، فهو أمر بالغ الدلالة والأهمية، خاصة إذا علمنا أن ما جاء في التقرير من عمليات تعذيب، هو أقل مما كان يحدث فعلا، كما قال الكاتب الأميركي «إريك فير» في مقاله «ما فعلته في أبو غريب لا يغتفر»، وهو أستاذ بجامعة «ليهاي» وكان محققاً في سجن «أبو غريب»، وقد قال: «لا يمثل ما جاء في التقرير مفاجأة بالنسبة لي، فأنا أؤكد لكم أن هناك الكثير من الأمور المستورة».

لقد أثار التقرير عاصفة من الانتقادات وردود الفعل المستهجنة، ووظف توظيفاً واسعاً من قبل وسائل الإعلام لإدانة الممارسات الأميركية، إذ أشار إعلام الصين بشماتة لما اعتبره مصداقية أميركا المتآكلة، وقالت صحيفتها الرسمية إن «أميركا ليست النموذج ولا حتى القاضي المؤهل لإصدار الأحكام على بلدان العالم فيما يتعلق بحقوق الإنسان».

والسؤال الآن: هل تمت تلك العمليات بعلم المسؤولين الأميركيين؟

غالباً، نعم. ألا يستوجب صدور مثل هذا التقرير، تقديم من تورط في تلك العمليات الوحشية للعدالة؟

دعونا ننتقل إلى صورة أخرى مناقضة، صورة مضيئة تجسد نموذجاً فريداً على المستوى العربي والدولي لحماية وصيانة حقوق المعتقل وكرامته، وهو نموذج من دولة الإمارات العربية المتحدة. فقبل 7 سنوات، كتبت مقالة بعنوان «انتصاراً لكرامة الإنسان.. تجاوزات يجب إنهاؤها» («الاتحاد»، 17 أكتوبر 2007)، أشدت فيها بقرار أصدره القائد العام لشرطة دبي في حينه، إذ أمر بإيقاف 20 ضابطاً وفرداً من العاملين في المؤسسات العقابية بشرطة دبي وتحويلهم للنيابة العامة، بتهمة التجاوز على المساجين بالضرب. وأشدت بجهود «الإدارة العامة لحقوق الإنسان» بشرطة دبي، والتي أسهمت في منح شرطة دبي 3 جوائز عالمية آنذاك، لكن الفريق ضاحي خلفان لم تمنعه الإشادة العالمية بجهود الإدارة من قول الحق ولو على نفسه. وقلت في المقالة: «لا يصدر هذا القرار إلا عن نفسية أبيّة شجاعة تعترف بالحق ولو على نفسها ولا تخشى في الحق لومة لائم، وما كان للفريق ضاحي أن يتخذ مثل هذا القرار إلا لتيقّنه بأن القيادة والحكومة والشعب، لا يرتضون بالظلم لأحد وبأنهم يستنكرون أي تجاوزات ويسعون لإنهائها ومعاقبة مرتكبيها».

إن أي متهم بريء حتى تثبت إدانته، وحق الدفاع حق قديم جاء في الشرائع السماوية والقوانين الوضعية، وأكدته مواثيق حقوق الإنسان التي حرصت على ضمان سلامة إرادة المتهم أثناء التحقيق والاستجواب. فهل تقدم الإدارة الأميركية المتورطين في التعذيب للمحاكمة؟!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسين عبد الحسين

حسين عبد الحسين يكتب: ترامب سيواجه إيران في سوريا

حسين عبد الحسين في الفكر المضطرب للرئيس الأميركي المنتخب وشبه الأمي دونالد ...