الرئيسية / قضايا و آراء / علامات فارقة ما بين نسخة بوتين 2014 والنسخ السابقة

علامات فارقة ما بين نسخة بوتين 2014 والنسخ السابقة

10842178_345266328998522_4719033800845930382_o
الرابط المختصر:

مدار اليوم- عزيز محمد

شكل الحوار السنوي المفتوح الذي أجراه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع شعبه مادة دسمة للنقاش في أوساط خبراء السياسة والاقتصاد خلال اليومين الماضيين، في اعتبار أنه جاء في مرحلة حساسة، حيث تهدد الأزمة المالية أمن البلاد الاقتصادي. وبالرغم من تصدر الرجل لشاشات التلفزة والإذاعات الروسية لأكثر من أربع ساعات، إلا أنه لم يتمكن من تحديد الأدوية الشافية للكثير من الأمراض الاقتصادية والسياسية التي تنخرعظام البلاد، فبدا أن هناك عدة علامات فارقة ما بين بوتين بنسخة هذا العام وبوتين بنسخة الأعوام الماضية

أولى تلك الفروقات الواضحة، هي خلو  إجاباته من تلك اللهجة الحاسمة التي اعتادها الشعب الروسي، فللمرة الأولى تهرب بوتين من الإجابات المباشرة عن أسئلة المواطنين، مستخدما أسلوبا غير فعال إن لم نقل أسلوباً رخيصاً، إذ إنه أجاب على العديد من القضايا الهامة بتساؤلات مضادة، مما يعني في السلوك السياسي أنه ليس لدى الرجل ما يقوله في هذا الشأن، أو أنه يتحفظ خوفاً من تداعيات الإجابات المباشرة. وهذا ما تمثل برده على اتهام واشنطن والرياض بالتآمر في تخفيض أسعار النفط للنيل من روسيا، فهو اعتبر أنه من الممكن أن يكون، أو لا يكون هناك تأمر في هذا الشأن. الأمر الذي رأى فيه المتابعون تردداً وتخوفاً لدى بوتين، لا سيما أن الشعب الروسي بفئاته كافة كان ينتظر تشخيصاً واضحاً من رأس هرم البلاد حول أسباب انهيار العملة الوطنية أمام العملات الأجنبية الأخرى.

وهذا يدفع إلى الاعتقاد بأن بوتين تحفظ فعلاً عن الإجابة المباشرة، علماً أنه لم يتوان يوماً عن ذلك وبأي قضية كانت، ولعل ذلك يعود إلى تخوفه من كسر الجرة مع الأمريكيين وحلفائهم في أوروبا والشرق الأوسط، لأن ذلك يعني ارتفاع كلفة فواتير المواقف الروسية في ملفات دولية متعددة وبخاصة الأوكراني والسوري، وانطلاقا من ذلك بدت مواقفه أكثر ليونة في الشأن الأوكراني، حيث أكد مرات عدة في حديثه أن موسكو مستعدة للتعاون في شتى المجالات لإيجاد أي حل سياسي للأزمة في أوكرانيا يضمن وحدة البلاد، ما يعني تنازلاً واضحاً عن دعم الانفصاليين في منطقة حوض دونباس.

وفيما يتعلق بالمواجهة مع الولايات المتحدة، فبالرغم من اتهامه للغرب بالتمدد نحو حدود روسيا عبر الاستمرار بإقامة قواعد لقوات حلف الناتو ونشر الدرع الصاروخية التي تشكل تهديداً مباشراً لروسيا، إضافة إلى السعي  لتغيير السلطة في بلاده، إلا أنه لم يرفع سقف تصريحاته ردا على ذلك،  بل اكتفى بالتأكيد أن موسكو لا تواجه الغرب بل تسعى لحماية مصالحها، وهو أمر لم يكن موجوداً في قاموسه السياسي الذي يقوم على مبدأ ” العين بالعين”.

وبعيداً عن السياسة، فقد ظهر بوتين عاجزاً عن عرض البرامج التي ستتبعها حكومته لمواجهة الانهيار الاقتصادي، كما وأن مداخلاته خلت هذا العام من الإعلان عن برامج التطوير الاجتماعي والاقتصادي، علما أنها كانت في المرات التسع السابقة تشكل المحور الأبرز لحديثه السنوي. وفي محاولة لتخفيف آلام الجرح الذي أصاب جيوب الشعب الروسي جراء انهيار الروبل، فقد اعتمد بوتين مهدئات موضعية، إذ استخدم سيناريو زيادة الطلب على الروبل، وفي هذا المجال لعبت البنوك الروسية التي تدور في فلك السلطة دوراً رئيساً، إذ أنها أوقفت عمليات سحب الروبل من عمل بطاقات الائتمان لعدة ساعات، خلال وبعد حواره التلفزيوني، الأمر الذي رفع قيمة الطلب على العملة الوطنية، ما أدى في المحصلة إلى انخفاض سعر الدولار لعدة روبلات.

ووفق محللين اقتصاديين، فإن هذه اللعبة المصرفية قد تتكرر خلال الأيام المقبلة لتعزيز أوضاع الروبل أمام العملات الأجنبية، لكنها لن تأتي بنتائج إيجابية، إذ أن ذلك سيدفع بالمواطنين الروس إلى إقفال حساباتهم في البنوك المشاركة بتلك اللعبة، أما على صعيد الشركات الكبرى فقد جاءت الإجابة مباشرة وذلك بوقف مبيعاتها كلياً حتى استقرار الوضع المالي في البلاد.

إذا وعلى الرغم من أن الدب الروسي لم يكشر عن أنيابه في حواره الأخير كعادته، إلا أن ذلك لا يعني أنه سيتراجع عن بعض مواقفه لإنقاذ بلاده من أزمة لا يمكن التكهن بنتائجها، لكن مما لا شك فيه أن بوتين يدرك أن عقاقير المخدر التي يستخدمها سيكون مفعولها مؤقتاً، خصوصاً وأن الروس قد اختبروا في مراحل سابقة تجارب مماثلة، لذلك فإن المرحلة المقبلة ستكون حبلى بالكثير من التطورات على المستويين الاقتصادي والسياسي، في اعتبار أن الشعب الروسي قد فقد عادة “شد الأحزمة على البطون”،  منذ أكثر من عقد من الزمن، ما سيضع سيد الكرملين أمام استحقاق إيجاد حلول ناجعة توفر الاستقرار الاقتصادي في البلاد، وهذا لا يتحقق إلا بعد إجراء إعادة تقييم للمواقف السياسية حيال الكثير من الملفات الدولية العالقة، وفتح قنوات الحوار مجدداً مع واشنطن وبروكسل ومن لف لفهما في العالم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الجمعية العمومية

كندا تدخل تعديلات على مشروع القرار للجمعية العامة

وكالات – مدار اليوم أدخلت كندا تعديلات واسعة على مشروع القرار الذي ...