الرئيسية / مقالات / المهدي بن بركة ودائرة الضوء

المهدي بن بركة ودائرة الضوء

الرابط المختصر:

عبد الحسين شعبان – جريدة الخليج

عبد الحسين شعبان

في الساعة الثانية عشرة والنصف (عند الظهر) وفي أجواء الخريف الباريسية من يوم 29 أكتوبر/تشرين الأول العام 1965 اختفى قسرياً المهدي بن بركة، بعد أن كان قد شوهد آخر مرة حرّاً طليقاً في مقهى “LiPP” الذي يقع بالقرب من شارع الشانزليزيه الذي ينتهي عند قوس النصر . وكان المهدي بن بركة قد جلس مع صديقه التهامي الأزموري المقيم بباريس، وعندما همّ بالخروج من المقهى اصطدم به ثلاثة أشخاص بعد أن تم فصله عن صديقه المغربي بلمح البصر، ودُفِعَ به إلى داخل سيارة انطلقت بهم إلى جهة مجهولة، كما يذكر الصحفي فيليب برنيي . وفي مساء اليوم نفسه وصل الجنرال أوفقير وزير الداخلية من المغرب خصيصاً، وكان العقيد أحمد الدليمي مدير الأمن المغربي بانتظاره .
مضى على تلك الحادثة ما يقارب ال 50 عاماً، لكن الرحلة لم تنته حتى الآن، بل وتتجدّد كل يوم بخصوص الاختفاء القسري للزعيم المغربي المعارض المهدي بن بركة، التي كانت فضيحة حقيقية للجمهورية الخامسة الفرنسية، ذكّرت بفضيحة قضية دريفوس في الجمهورية الثالثة، إضافة إلى تشابك مخابراتي دولي عبر علاقات مريبة ومثيرة أخذت تتكشف خيوطها يوماً بعد آخر، كان لواشنطن و”تل أبيب” دور فيها، وهو ما يسلّط الضوء حوله المحامي موريس بوتان في كتابه بهذا الخصوص، وقام بترجمته رشيد برهونس وراجعه عثمان بناني، وقد سبق لبوتان أن تابع هذا الملف منذ نحو خمسة عقود من الزمان، حيث كان محامي عائلة بن بركة وتفرّغ لإعداد كتابه نحو عشر سنوات، وقد أثار صدور الكتاب ضجة جديدة لما احتواه من معلومات جديدة وخطرة .
لا أحد حتى الآن يعرف مصير بن بركة، الذي ينبغي أن يُجلى، فضلاً عن كشف الحقيقة كاملة وردّ الاعتبار بجبر الضرر لعائلته وتعويضها عمّا لحق بها من غبن وأضرار، ويتطلب ذلك المساءلة وإصلاح النظام القانوني والقضائي والأمني، كما تقتضي مبادئ العدالة الانتقالية، وهي مبادئ اعتمدتها المغرب عند تشكيل “هيئة الإنصاف والمصالحة” وفيما بعد المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، وإذا كان الملك محمد السادس قد أسس هاتين الهيئتين، فإنما أراد أن يقطع نهائياً مع الفترة السابقة ويطوي صفحاتها المؤلمة . والأمر يقتضي قراءة مسؤولة وواعية لاستعادة الحدث بهدف كشف الحقيقة ووضعها أمام الأجيال القادمة للوصول إلى العدالة، لاسيّما إزاء الضحايا، خصوصاً بالمساءلة، والأمر ليس جزءاً من التاريخ أو تاريخاً لحادث قديم، بقدر ما هو حاضر مستمر، طالما ظلّ البحث عن الحقيقة هو الهاجس الدائم، فضلاً عن أن هذه الجريمة لا تسقط بالتقادم .
كان المهدي بن بركة رقماً صعباً مغربياً وإفريقياً وعربياً، بل وعالمياً، لاسيّما عند تحضيره مع تشي غيفارا وأحمد بن بلة مؤتمر القارات الثلاث، (آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية) ولكن أوفقير الذي نُسب إليه اختفاء بن بركة كانت سلطاته بلا حدود وتمكّن من إحباط انقلاب الصخيرات الشهير ضد الملك في العام ،1971 ولكنه قاد هو الآخر انقلاباً ضد الحسن الثاني ملك المغرب في 16 أغسطس/آب العام ،1972 واضطرّ بعد انكشاف المحاولة الانقلابية إلى الانتحار .
وقد تم التخلص من الدليمي لاحقاً، وذلك قبل وصول وفد فرنسي برئاسة ميتران العام 1985 وشارك فيه المحامي موريس بوتان (مؤلف الكتاب ومحامي عائلة بن بركة) والذي كان قد حُرم من زيارة المغرب طيلة 17 عاماً وهو المولود فيها، ولعلّ الأمر لم يكن مجرد صدفة، بل كان حسبما يقول مسلسل الأحداث جزء من صورة جديدة أريد للحكم أن يظهر فيها، آخذاً في الاعتبار التطورات الحاصلة في العالم .
كان بن بركة مغربياً بامتياز وعروبياً بجدارة حيث وضع القضية الفلسطينية نصب عينيه وإفريقياً باعتزاز وأممياً بثقة واقتدار وليس بتبعية وتقليد، ولذلك كان زعيماً سياسياً له كاريزميته المؤثرة، مثلما كان براغماتياً حاذقاً، كما يعبّر عنه مؤلف الكتاب .
كانت مسألة الاختفاء القسري شائعة في العديد من البلدان العربية والعالمثالثية، حتى شملت نحو 63 بلداً، حيث يمارس رجال بسرية تامة اختطاف مناضل أو ناشط، بعد عملية ترصّد يعقبها نصب كمين مباغت في الطريق العام أو في محل خاص أو يقوم ملثمون وبملابس مدنية بزيارة خاطفة لمنزل الشخص الذي يُراد اختطافه ويحاولون ألاّ يخلفوا أي أثر أو يتركوا أية معلومات يستدل عليها أو من خلالها على مكان المخطوف .
وتلجأ بعض الحكومات إلى هذه السياسة لأنها غير مُكلفة، حيث لا محاكمة ولا وجود لجثة أو أثر ويبدأ النسيان بالتسلّل مع مرور الأيام، ويخرج الحدث من دائرة الضوء، لاسيّما بغياب المسؤوليات المباشرة عن الدولة، خصوصاً عندما يتم تسجيل الحادث ضد مجهول، في حين أن مهمة الحكومة ووظيفتها الأولى هي حفظ الأمن وحماية أرواح وممتلكات الناس .
هكذا اختفى منصور الكيخيا المعارض والحقوقي الليبي ورجل السلم والحوار من القاهرة بعد أن استدرجته الأجهزة الليبية، لينقل من القاهرة في نهاية العام 1993 إلى طرابلس ويمكث هناك في سرداب نحو أربع سنوات، يتوفى بعدها في العام ،1997 حيث كان قد أخضع لعمليات استجواب، ولم يتم اكتشاف ذلك إلاّ بعد الانتفاضة الليبية في العام ،2011 وكان القذافي قد احتفظ به في ثلاجة طيلة السنوات السابقة بعد وفاته . كما لم يزح النقاب حتى اليوم عن الاختفاء القسري لموسى الصدر في ليبيا أيضاً، وكذلك عن صفاء الحافظ وصباح الدرّة وعايدة ياسين وعزيز السيد جاسم الذين اختفوا قسرياً في العراق وعن شبلي العسيمي الذي اختفى قسرياً العام 2011 في منطقة عاليه في لبنان وعشرات غيرهم من الشخصيات العربية التي يتم استذكارها سنوياً لتبقى في دائرة الضوء حتى يتم الكشف عن مصيرها .
الجديد في كتاب موريس بوتان أنه يذكر دور الموساد “الإسرائيلي” في حادث اختطاف المهدي بن بركة، حيث كان الصحفي “الإسرائيلي” شموئيل سيغيف قد نشر كتاباً في العام ،2008 جاء فيه على ذكر معلومات عن اختفاء المهدي بن بركة ومن ثم وفاته، ويقول إن دور الموساد اقتصر على مدّ المخابرات المغربية بعنوان كشك لبيع الصحف في جنيف كان محطة لاستلام رسائل المهدي، لكن صحفيين “إسرائيليين” هما مكسيم غيلان وسشمول موهر كانا قد تعرضا في العام 1966 إلى دور الموساد، ولاسيّما رئيسه آنذاك الجنرال مير أميت بضلوعه بالجريمة، وذلك عن طريق السينمائي آرتور كوهين الذي استخدمه الموساد، حيث اعتبرت الموساد المهدي بن بركة عدوّاً له لرئاسته مؤتمر القارات الثلاث .
وسواء أسهمت “إسرائيل” بصورة مباشرة أو بصورة غير مباشرة، فإنها قدّمت دعماً للجهة المنفذة، أكانت الأجهزة الفرنسية أو الأمريكية بالتعاون مع الجنرال أوفقير والدليمي، وذلك عن طريق تهيئة شقة لإخفاء الجناة بعد العملية وخمسة جوازات سفر ومساحيق المكياج ولوحات تسجيل السيارات المزيفة، وسم قاتل يُبطل مفعوله بعد ساعات فيما إذا تم اكتشاف الجريمة، إضافة إلى أدوات للحفر ولمحو الآثار . وكان باسكال كروب قد عرض نتائج تحرّياته في العام 2001 في مقال أكّد فيه أن المهدي بن بركة تم اختطافه على مرأى ومسمع من الموساد .
كما يعرض الكتاب دور المخابرات المركزية الأمريكية CIA في حادث اختفاء المهدي بن بركة وذلك بسبب نشاط المهدي بن بركة في التحضير لمؤتمر القارات الثلاث في هافانا . وإذا كان الأمر يتعلق بكوبا والزعيم كاسترو، فهناك أكثر من فائدة سترجى لهم عند قيامهم باختطاف المهدي بن بركة، ويستدل على ذلك العلاقة الوطيدة بين أوفقير وبين المخابرات المركزية، وقد تكون أصابت عصفورين بحجر واحد، فهي من جهة ضربت العالم الثالث والحركة التحررية وحلفائها السوفييت، ومن جهة ثانية ضربت ديغول المتمرد على واشنطن، من خلال تسميم العلاقة بين فرنسا ومستعمراتها السابقة .
وبغض النظر عمن قام بالاختطاف، فلا بدّ أن تبقى هذه القضية والقضايا المماثلة في دائرة الضوء، وذلك من أجل إجلاء الحقيقة وكشف المرتكبين ومساءلتهم، علماً بأن هيئة الإنصاف والمصالحة في المغرب كانت قد جمعت نحو 20 ألف ملف، وهي مسألة تتطلب شجاعة وحكمة وثباتاً، كما عبّر عنها الملك محمد السادس لاستكمال تسوية منصفة، في انتهاكات حقوق الإنسان .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جوزيف ليبرمان

جوزيف ليبرمان و مارك والاس يكتبان: كيف ينبغي على ترامب أن يعيد التفاوض حول الاتفاق النووي

جوزيف ليبرمان و مارك والاس مثل الرئيس الأميركي المنتخب، دونالد ترامب، عارضنا بشدة ...