الرئيسية / مقالات / حرب بالوكالة

حرب بالوكالة

الرابط المختصر:

محمد أبو رمان – الغد الأردنية

محمد أبو رمان

أعلن في طهران عن مقتل أحد القيادات البارزة في الحرس الثوري الإيراني في العراق، خلال مشاركته في ما وصفه الإيرانيون، بمهمة استشارية لصالح الجيش العراقي في مواجهته مع تنظيم “داعش”. وفي الأثناء، نشرت مواقع مقربة من التنظيم صورة لطائرة من غير طيار إيرانية، تدّعي هذه المصادر أنّ مقاتلي التنظيم تمكّنوا من إسقاطها. فيما تنفي السلطات العراقية إسقاط طائرة حربية أخرى ادّعى “داعش” أنه أسقطها أمس وأسر قائدها.

لم تعد المشاركة الإيرانية في الحرب الراهنة أمراً سرّياً. فبالرغم من أنّ هناك نفوذاً كبيراً لإيران في النظام السياسي العراقي، يتزاوج مع نفوذ مماثل في المجال العسكري والأمني؛ إلاّ أنّ هذه المعادلة تغيّرت تماماً منذ صعود تنظيم “الدولة” بصورة واضحة قبل نصف عام، بعد سيطرته على الموصل، وتمدده في المحافظات السنية العراقية. إذ أصبح الدور الإيراني في قيادة المعارك العسكرية مع التنظيم أمراً مكشوفاً، إلى درجة نشر صور لقائد فيلق القدس المشهور، الجنرال قاسم سليماني، وهو يجتمع مع مقاتلين أكراد لدحر عناصر “داعش” في بعض المناطق.
الدور الإيراني لا يتم ضد الرغبة الأميركية، فهناك حالة من التواطؤ بين الطرفين، وشراكة غير مباشرة في العمل على الإطاحة بهذا التنظيم والتخلص منه. لكن هذه الشراكة، وتحديداً الدور الإيراني، هو ما يمثل بحد ذاته المعضلة الكبرى في الحرب الراهنة وتحالفاتها ضد تنظيم “الدولة”. فهذا التنظيم يتغذى وينمو على المأساة السُنّية، وشعور المجتمع السُنّي بالتهميش والاستهداف والقلق الشديد على الهوية من النفوذ الإيراني، ليس فقط في العراق، بل في سورية ولبنان أيضاً؛ ما يجعل من محاولة اجتذاب السُنّة وطمأنتهم وتأليبهم وتثويرهم ضد “داعش” بمثابة أمر معقد وشائك ومتشابك!
لن يكرر السُنّة تجربة الصحوات قبل أعوام، ولن يطمئنوا للوعود الأميركية. وهم يشعرون اليوم بأنّ التخلص من التنظيم -الذي لا يمثلهم بالضرورة، بل يزيد العبء عليهم- سيؤدي بهم إلى دفع ثمن مكلف جداً بعد ذلك؛ في انتقام إيران والفصائل الشيعية الموالية لها. وسرعان ما سينسى العالم موضوع السُنّة ويتخلّى عنهم، كما فعل من قبل، ما يجعلهم أمام خيارات مقلقة تحمل جميعاً تهديداً وجودياً لمستقبلهم، سواء راهنوا على التنظيم أو على خصومه وأعدائه!
لعلّ ذلك يفسّر لنا قدرة التنظيم على الصمود إلى الآن في مواجهة آلة عسكرية وأمنية وحالة حصار دولي وإقليمي شديدة منذ قرابة 4 أشهر. إذ بالرغم من ذلك، يبدي “داعش” مقاومة وممانعة تعجز عنهما جيوش منظمة ومدرّبة، ودول تمتلك موارد كبيرة.
من الضروري إدراك أنّ قوة التنظيم العسكرية لا تأتي فقط من استثماره المأساة السُنّية، بل أيضاً من استفادته بدرجة كبيرة من خبرات الجيش العراقي السابق. فأهم المسؤولين في التنظيم هم من ضباط الجيش والأجهزة الأمنية سابقاً. وهي خبرة ممزوجة بسنوات طويلة من حرب العصابات في العراق، مركّبة على خبرة الجماعات الجهادية التي تمتد إلى أكثر من عقد من الحروب الأمنية والعسكرية الدولية والإقليمية، مع الولايات المتحدة الأميركية وشركائها الغربيين.
في المقابل، تدعم إيران الفصائل والقوى الشيعية الموالية لها، وتدرّبها في مواجهة التنظيم ولدعم النظام السوري ضد الجيش الحرّ وفصائل المعارضة السورية الأخرى المختلفة. ما يجعل الطبيعة الطائفية الهوياتية هي الطاغية على الصراعات الداخلية في العراق وسورية، ويجعل من هذه الصراعات أقرب إلى حرب بالوكالة (Proxy War).
فقط عندما يرى المجتمع السُنّي الضوء في نهاية النفق، ويشعر بالأمل الحقيقي بأنّ هناك مستقبلاً أفضل، فإنه سيفك الاشتباك بينه وبين “داعش”، وهو ما لم يحدث إلى الآن. من أجل ذلك، فإنّ الحل السياسي هو الأكثر أهمية وفعالية في الصراع الراهن.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مهند الحاج علي

مهند الحاج علي يكتب: ماذا بعد ”انتصار“ حلب؟

مهند الحاج علي معركة حلب ليست محطة عادية في سير العمليات العسكرية ...