الرئيسية / مقالات / وهم المركزية بعد سقوط المراكز

وهم المركزية بعد سقوط المراكز

الرابط المختصر:

أحمد جابر – الحياة اللندنية

احتلت كلمة «الدولة – المركز»، مكاناً محورياً في نقاش السياسات الدولية والإقليمية، وكان لها تجاذباتها وصراعات أفكارها ضمن المحليات الوطنية، التي أعطاها بعضهم صفة «الطرفية» فكانت أطرافاً بالتطلع إلى المركز الاشتراكي، وأطرافاً بالإقصاء أو الإلحاق أو التهميش، على لائحة الدول – المراكز، الرأسمالية.

نزلت هذه الدولة منزلة النموذج المرغوب، والهدف الذي يُسعى إليه، والتجربة التي يجب الدفاع عنها، في أسباب نشوئها وفي عوامل ارتقائها، وفي النظرية التي تقول بثباتها وديمومتها، هذا لأن هذه الدولة تشكل التحقق الممكن والضروري والواقعي، للأفكار التي لمّا تتحول إلى واقع بعد في بلادها. هذا «اليقين» بالنموذج – المركز الخارجي، جعل من تخفيف التطلب الوطني سياسة، ولم يجد أصحاب هذه السياسة حرجاً في تليين شروطهم الداخلية في النظر وفي الممارسة، لأنهم رأوا في ذلك تضحية آنية، أو ثمناً زهيداً من أجل صيانة النموذج في مركزه، لأن ذلك سيكون كفيلاً بتعويض مستقبلي ملموس، عندما يكسر انتصار المركز وتفوقه، كل الهزائم الاجتماعية والسياسية في البلدان – الأطراف.

في التجربة الاشتراكية العالمية، التي نبتت من ضمن زرعها شجرة الشيوعية، كان الاتحاد السوفياتي البلد المركز، وكانت العاصمة موسكو هي مركز المركز، مثلما كانت معتصم دعاة التحرر والتحرير، والسالكين في دروب دعوات التغيير الاجتماعية. وعندما ظهر أن البستان الشيوعي لا يمكن أن يقتصر على شجرة واحدة، برزت الدولة الصينية كفرع آخر، فكان للعاصمة بكين دور المركز الفرع، الذي ألهم أغصاناً اشتراكية أصغر، استندت إلى المركز الصيني «الثانوي»، ولم تقطع قطعاً كاملاً مع بلد «الاشتراكية الأول»، الذي ظل يسعى إلى أن يكون بلاداً، ولو من خارج نظريات سعي النشأة الأولى.

في التجربة القومية العربية، تقدمت الدولة المصرية قريناتها العربيات، فشكَّلت البلد المركز مع القيام بالانقلاب على العهد الملكي، الذي نفذته مجموعة الضباط الأحرار، وخطت «الثورة» خطوة أخرى على طريق «المركزة القومية»، مع صعود نجم الرئيس جمال عبد الناصر، وسيادة منطق التجربة الناصرية. جذبت التجربة الصاعدة إليها حركات سياسية وقوى اجتماعية، وحذا حذو سياسييها ضباط آخرون، في بلاد عربية أخرى.

تعززت المركزية الناصرية – المصرية، بشعارات الوحدة العربية والتحرر والتحرير، وأضافت إلى صدقية شعاريتها دولة الوحدة، التي تشكلت منها ومن الدولة السورية. ولم ينتقص العمر القصير لهذه الدولة المولودة على عجل، من استمرار الأخذ بمقولة إن العاصمة المصرية، القاهرة، هي عاصمة بلد القومية العربية الأول، وهي حاضنة صوت التحرر الأعلى، وهي رائدة العمل من أجل التحرر من الاستعمار والاستغلال، ومن الاحتلال الذي سلب فلسطين.

سقطت المراكز الثورية تباعاً. أسرعها في السقوط العملي، كان المركز القومي العربي، الذي صفعته هزيمة 1967، ولم يطل ترنح المركز الاشتراكي فهوى الاتحاد السوفياتي، وتبعه في التساقط، وفق التعبير الثوري، المركز الصيني الذي نجا ببلاده، بعد أن افتداها بالطبقة العاملة، وبتحالف العمال والفلاحين… وتوابعه من الفئات الاجتماعية الثورية.

السقوط المركزي، أخلى أمكنته لقوى ضدية اجتماعياً، وبعض الفراغ ملأه «العدو الرأسمالي» مباشرة، وبعضه الآخر ملأته «الإمبريالية» مداورة، من خلال قوى الرجعية المحلية القديمة، ومن قوى الردة المجتمعية الجديدة.

بإيجاز قامت على أنقاض نظريات التقدمية، نظريات أخرى، ليست من جنسها، وما كان منسجماً بقوة ضبط الفكرة، أو بقوة ضغط التوازنات بين المراكز العالمية، صار فوضى غير خلاقة، تولتها دول ناشئة، ذات طموحات تتجاوز إمكانياتها، لكن الفراغ أغراها بركوب مركب مغامرة تصدير فائض «ذاتها» إلى ما وراء حدودها الوطنية.

تعاني البلاد العربية من ارتدادات السقوط الاشتراكي والقومي. ما هو ظاهر اليوم واضح في دلالته أكثر من أي وقتٍ مضى. هي في موقع تلقي السياسات الخارجية وليست في موقع إبداء الرأي فيها. هي في مدار التهديد الجغرافي والديمغرافي والاقتصادي، ولا تملك من المقومات الجدية، ما يردع هذا التهديد على نحو جدي وفاعل. هي في منطقة أزمة التكوين وعلى خط زلازل استوائها كيانات وطنية كانت هشة، وازدادت هشاشة بفعل مساراتها التاريخية غير السوية، في الداخل ومع الخارج. هذه الوضعية الصعبة التي انكفأت إليها البلاد العربية، جعلت من تركيا مثلاً «قاهرة» أخرى، لها من يدعو إلى تجربتها، ومن يستقوي بنجدتها، ومن يعتقد بجدوى الاستعانة بها، من منظور إسلامي، وبعيداً من كل النظريات القومية. ومع تركيا، برزت إيران «قاهرة» ثانية، فأخذت عنها شعارات التحرر، لكن من الاستكبار العالمي، ولم تبدل صيغة تحرير فلسطين، ولو أنها بدَّلت هوية القائمين بها. أما الساحات التي كانت ملعباً سياسياً للقاهرة الناصرية، فباتت مسرحاً للعب الإيراني، من جبال اليمن إلى الحدود اللبنانية مع فلسطين، مروراً بكل البلاد العربية الأخرى، ذات السياسات الملتهبة، وذات الحروب المشتعلة.

تجمع الشعارية بين الدول التي تطمح إلى أن تكون في وضعية المراكز. وتشترك في مرحلة صعود تتضافر على صياغتها الإيديولوجيا والحماسة والسياسة، وتعززها بعض التقديمات والإنجازات الأولية… وتشترك هذه الدول في تجاوزها على البنى الوطنية ومحاولة تطويعها لسياساتها، أي أنها تستتبعها، ولو أن الاستتباع لم يكن قسرياً وقهرياً دائماً، أي أنه يحوز رضا وقبول فئات اجتماعية محددة. لكن ذلك لا يلبث أن ينحسر مع انحسار الوعود، فلا يبقى من «الثورة» إلاّ الأيديولوجيا العقيمة ومساوئ الاستتباع.

واقع الحال أن لا مركز في الخارج يؤوب إليه العرب، ولا قاهرة تعصمهم من أخطار داهمة. واقع الحال أن العرب بعد أن استساغوا القفز فوق أحكام وطنياتهم بلا تبصر قومي وحدوي، أو بصيرة اشتراكية دولية، عادوا وصاروا نهباً لأكثر من قاهرٍ خارجي، من العالم البعيد، ومن الإقليم القريب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جوزيف ليبرمان

جوزيف ليبرمان و مارك والاس يكتبان: كيف ينبغي على ترامب أن يعيد التفاوض حول الاتفاق النووي

جوزيف ليبرمان و مارك والاس مثل الرئيس الأميركي المنتخب، دونالد ترامب، عارضنا بشدة ...