الرئيسية / مقالات / كارثة تكفيرية تهدد المغرب العربي

كارثة تكفيرية تهدد المغرب العربي

الرابط المختصر:

فيصل جلول – الخليج الإماراتية

فيصل جلول

لا يكف وزير الدفاع الفرنسي جان ريف لودريان عن التحذير من اتساع حضور المنظمات والحركات المتطرفة في الجنوب الليبي، ومن تحول هذه المنطقة إلى ملاذ آمن للمجموعات التي طردتها فرنسا من شمال مالي العام الماضي . ويحذر من هذه الظاهرة “غير المسبوقة” مسؤولون كبار في الولايات المتحدة وبعض العسكريين، كالجنرال ديفيد رودريغيز قائد الجيش الأمريكي في إفريقيا . فضلاً عن تحذيرات إقليمية صدرت، وتصدر بين الحين والآخر عن مصر والجزائر وتونس حيث تبين أن عملية “أم الناس” في جنوب الجزائر نفذها مختار بلمختار أحد “الجهاديين” المتطرفين الذين استقروا في شمال مالي ومن ثم انتقلوا إلى الجنوب الليبي، في حين تعتقد السلطات التونسية أن صلات قوية تجمع بين مسلحي جبل الشعانبي وأنصار “داعش” في الجنوب الليبي، وفي مصر تشير المعلومات إلى أن الجماعات الإرهابية في سيناء تلقت التدريب والسلاح في ليبيا .
وعلى الرغم من تصنيف وزير الدفاع الفرنسي هذه الظاهرة ب”الأخطر” لأنها تتناقض مع “النظام الدولي وقيمه”، فإن أحداً لم يستجب حتى الآن لدعوته من أجل التدخل العسكري السريع في ليبيا، بما في ذلك رئيسه فرانسوا هولاند الذي رفض في حديث صحفي الاثنين الماضي اللجوء إلى الخيار العسكري في ليبيا، ما يعني أن “الظاهرة غير المسبوقة” مرشحة للتوسع وبالتالي ضرب الاستقرار في بلدان المغرب العربي التي لم تشملها بعد الفوضى “الخلاقة . . الهدامة” التي تجتاح الشرق الأوسط .
في المقابل لا يبدو أن الحل السياسي للأزمة الليبية متاح داخلياً في الظروف الراهنة، وآخر الأدلة على استعصائه انهيار مبادرة الحوار السياسي في غدامس التي حاول تنظيمها المبعوث الخاص للأمم المتحدة . يأتي ذلك في ظل غياب شبه تام لأي تحرك دبلوماسي نحو ليبيا من الجزائر أو مصر أو تونس، ولعل التحرك الوحيد والنبرة العالية الوحيد سجلت في الجوار الإفريقي غير العربي لليبيا وبصورة خاصة من تشاد التي دعا رئيسها إلى تدخل عسكري في أقرب الآجال لقطع الطريق على نشوء دولة متطرفة داخل الحدود الليبية . ومعلوم هنا أن “داعش” في ليبيا وفي غيرها يستميل شباناً أفارقة وبعضهم تشاديين، خصوصاً من المناطق المعربة في هذا البلد . وهنا أيضاً يمكن القول إن حديث النبرة العالية التشادي لم يلق استجابة من أحد، وهذا يعني أن الطريق بات ممهداً في المدى المنظور لنشوء ملاذ آمن “لدواعش” متشددين في ليبيا من كل بلدان المغرب العربي يهدد كل دول الجوار ويطيح الحدود على غرار ما حصل في سوريا والعراق، وإن تمكن من ذلك فمن المرجح أن يجتمع تحت الخطر نفسه المغرب العربي بعد المشرق، وتكون هذه الظاهرة قد عبرت كل حدود العرب بلا استثناء .
وللذين يستخفون بما يدور في الجنوب الليبي نلفت الانتباه إلى أن المجموعات الجهادية المتمركزة في “درنة” والجنوب الليبي تملك وسائل التعبئة الضرورية وفي طليعتها السلاح الأيديولوجي الذي يحتفظ به كوادر “الإخوان المسلمين” وعناصر “القاعدة” و”داعش”، والوسائل المالية عبر تهريب النفط بالاشتراك مع العصابات المحلية التي تشكلت خلال فترة الحصار على ليبيا في التسعينات وحرية الحركة والتنقل حيث لا ضابط ولا رقيب بعد انهيار نظام العقيد الراحل معمر القذافي، والحماية القبلية والحواضن الاجتماعية، ولعل الأزمة الاقتصادية تسهم أيضاً في رفد هذه الجماعات بمقاتلين من الشبان، كما تسهم الحدود المفتوحة بتزويدهم بالراغبين والمتحمسين للجهاد، فضلاً عن تصميم بعضهم على الأقل على فتح أكثر من جبهة على التحالف الدولي في العراق والشام من أجل تشتيت جهوده وحمله على التراجع عن مجابهة التنظيم الأم .
تبقى الإشارة إلى أن العائق الوحيد الذي حال دون تضخم أعداد مقاتلي التنظم يكمن في الإجراءات السلبية التي اتخذها بعض قادته منذ تسلمهم زمام الأمور في مناطقهم، حيث بادروا إلى تحطيم الأضرحة ومراقد الأولياء وإجبار النساء على ارتداء الحجاب، وفرض الصلاة على المارة وعدم السماح بخروج المرأة من منطقة إلى منطقة أخرى من دون محرم . وتفيد الأنباء الواردة من تلك المناطق بأن المتشددين صرفوا النظر عن تدمير الأضرحة، مؤقتاً على ما يظهر حتى إذا ما صارت الظروف ملائمة عادوا إلى تمديرها .
يملي ما سبق خلاصة بالغة الأهمية بالنسبة إلى مستقبل فضائنا العربي المهدد بالفوضى الهدامة في المشرق والمغرب وبالمد “الداعشي”، وكان الأول شرطاً للثاني أو العكس، فكيف يمكن الرد على هذا التهديد وبأية وسائل طالما أن الدول الأطلسية التي قلبت النظام الليبي السابق لا تريد أو ليست قادرة على مواجهة النتائج الكارثية لتدخلها؟
الجواب عن السؤال ينطلق من فرضيات لا بد من فحصها، ومن بينها دعم الجيش النظامي الليبي الذي يحاول السيطرة على الشرق وعزل المسلحين في الجنوب والتلويح للمعتدلين بمكاسب سياسية واقتصادية مهمة إذا ما انخرطوا في المجابهة مع المتشددين . والتنسيق بين مصر والجزائر وتونس من أجل تشديد الرقابة على حدودها ومنع تنقل المسلحين من وإلى الجنوب الليبي . وتشكيل قوة إفريقية عربية للتدخل السريع في ليبيا على أن تكون بإمرة الجيش الليبي، وعرض مبادرة وطنية ليبية جامعة لكل الفئات على أن تكون أولويتها المطلقة تحقيق الأمن والاستقرار واستعادة الوظائف العادية للدولة، أما تقاسم السلطة بين الجهات والمناطق فيكون متاحاً فقط عندما تبنى سلطة وعندما تكون قادرة على حماية الثروة التي يراد تقاسمها .
في هذه الأوقات ربما على العرب والليبيين الانتباه إلى أن العالم يمكن أن يتعايش مع الكوارث المنتشرة في بلادهم ويمكن أن يقي نفسه من مخاطرها فتبقى عندهم وتلحق ضرراً مصيرياً بهم . في هذه الأوقات الصعبة تحاول الجامعة العربية الرد على التحدي الليبي، ولعل أفضل ما تأتي به هو دعم جهد مصري – جزائري – تونسي ينقذ ليبيا والعالم العربي من كارثة معلنة، بل وداهمة .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عبد القادر عبد اللي

عبد القادر عبد اللي يكتب: شرارة قصف القوات التركية تتوهج

عبد القادر عبد اللي بيان هيئة أركان القوات المسلحة التركية، حول هوية ...