الرئيسية / مقالات / ملاحظات حول السياسة المصرية في سوريا وفلسطين

ملاحظات حول السياسة المصرية في سوريا وفلسطين

الرابط المختصر:

عريب الرنتاوي – الدستور الأردنية

عريب الرنتاوي

عريب الرنتاوي

تسعى مصر إلى استعادة صورتها واستنهاض دورها القيادي في المنطقة والإقليم، بعد سنوات طوال من الركود زمن نظام مبارك، والاضطراب في مرحلة ما بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير … وهذا المسعى يلقى ترحيباً قوياً من قبل أطراف عربية عديدة، ففراغ مصر، ملأته دول عربية صغيرة بأجندات ملتبسة يصعب تفكيك “طلاسمها” على كثير من المراقبين … كما وفر الغياب المصري عن المسرح، حضوراً فاعلاً لقوى إقليمية غير عربية، بدءاً بإسرائيل، مروراً بتركيا وإيران، وانتهاءً بأثيوبيا.
السلطة الفلسطينية كانت من بين أبرز وأكثر المستبشرين خيراً بالتغيير الذي حصل في القاهرة، ومجيء نظام المشير عبد الفتاح السيسي، وهي التي لم تخف قلقها من حلف “حماس / إخوان مصر” زمن الرئيس المعزول محمد مرسي، كانت صريحة في استقبال التغيير والرهان عليه… السلطة لم تكن وحدها من فعل ذلك، النظام السوري بدوره، رحب بالتغيير، وانتهج الإعلام الرسمي السوري تغطية إيجابية للأحداث والتطورات في مصر، كانت أشبه بالغزل و”توجيه الرسائل” للنظام الجديد، الذي تتشاطر معه، كراهية الإخوان المسلمين من جهة، والاستهداف من قبل جماعات جهادية متطرفة من جهة أخرى.
لكن أكثر المرحبين بالنظام المصري الجديد حماسة، يجدون أنفسهم اليوم في وضع شديد الحرج، جراء ما أقدمت عليه الدبلوماسية المصرية من مواقف وخطوات، بدا من الصعب ابتلاعها في رام الله ودمشق… فالأنباء من القاهرة تحدثت عن استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي للمسؤول الفتحاوي المنشق، والمطلوب في قضايا مالية وأمنية محمد الدحلان، بوصفه “قائداً فلسطينياً” لا موفداً كمستشارً أمني لدولة عربية … القاهرة لزمت الصمت حيال هذه الأنباء ورام الله تبدو كبالع السكين ذي النصلين، أما “جماعة الدحلان” فيهللون ويكبرون للاختراق الذي حصل في علاقات “زعيمهم” مع الرئيس المصري الجديد.
ليست المرة الأولى التي يجرى فيها الحديث عن لقاءات بين السيسي والدحلان، بيد أنها كانت تبرر في السابق بكونها لقاءات مع “موفد” رفيع، أو أن الدحلان كان يحضر للقاهرة من ضمن وفد لا أكثر … هذه المرة الحديث يدور عن لقاء بين الرجلين، وبوصف الدحلان “قائداً فلسطينياً” والبحث دار بينهما في مستجدات القضية الفلسطينية بعامة والوضع في قطاع غزة ومعبر رفح خاصة أن نتائج هذه المحادثات ستنعكس إيجاباً على وضع الفلسطينيين في القطاع المحاصر قريباً.
وليس غريباً على مصر، أن تحتفظ بقنوات تواصل مفتوحة مع مختلف الكيانات والمكونات الفلسطينية، فهي طالما فعلت ذلك، وفي ظل قبول فلسطيني واسع، لكن هذه القنوات ظلت محصورة بجهاز المخابرات العامة الذي يتولى الملف الفلسطيني وأحياناً مع مستويات سياسية مختلفة، لكن أن يتم اللقاء مع “محمد الدحلان” على المستوى الرئاسي، فذاك تطور فريد وخطير، محمل بالرسائل التي لن تريح الرئيس الفلسطيني محمود عباس وهو في غمرة “حرب مفتوحة” مع الدحلان وأنصاره، … ولن يبدد لقاء عباس – السيسي بالقاهرة أمس مخاوف السلطة وقلق رئيسها… وعلى أية حال، فثمة أسئلة فلسطينية مفتوحة بلا أجوبة مصرية واضحة حتى الآن.
فإذا كان الاستقبال الرئاسي للدحلان نابعاً من كراهية مشتركة لحماس، فعلى السلطات المصرية أن تدرك أن في رام الله من هو أشد ضراوة في العداء لحماس والإخوان، فلماذا “الدحلان” تحديداً، وفي هذا الوقت بالذات، حيت تتواتر التقارير عن غزل دحلاني– حمساوي؟ … وإذا كان للأمر صلة بملف “خلافة عباس”، فعن أية أجندة  نتحدث، وهل قررت القاهرة تبني الرجل خليفة لأبي مازن؟
السؤال نفسه، يُطرح سورياً، بعد عودة الروح لدور القاهرة في تجميع المعارضات السورية، وعشية المؤتمر المنتظر بعد أسبوع لهذه المعارضات في القاهرة … النظام في دمشق وأنصاره في لبنان، بدأوا يتحدثون عن “توكيل سعودي” للقاهرة للقيام بما عجزت الرياض عن القيام به … وهم إذ رحبوا في البدء، بالتحرك المصري على قاعدة “استقلالية” موقف القاهرة عن مواقف بعض عواصم الخليج، إلا أنهم عادوا يتحدثون مؤخراً عن مبادرة مصرية اعتراضية على “مؤتمر موسكو” و”حلب أولاً” وبتحريض من بعض العواصم المناهضة لدمشق، وبصورة تعيد الأمور بين النظام والمعارضة إلى المربع الأول … مصادر دمشق تلقي باللائمة على القاهرة التي أعطت المعارضة جرعة إضافية من “التشدد”، جعلتها مترددة حتى في حضور مؤتمر موسكو، فضلاً عن غياب أية قنوات اتصال بين القاهرة والنظام، واكتفاء المصريين بالتواصل مع قوى المعارضة الداخلية منها والخارجية، لا أكثر.
المفارقة أن العلاقات بين موسكو والقاهرة بعد ثورة الثلاثين من يونيو أصبحت في أحسن أحوالها، والرئيس بوتين تعامل مع السيسي كرئيس للبلاد قبل أن يجرى انتخابه لهذا المنصب، الأمر الذي أثار قناعات لدى عديد المراقبين، بأن القاهرة على تنسيق لصيق مع موسكو، وانها تتقاسم الأدوار معها وصولاً لحل سياسي للأزمة السورية … اليوم تبدو الصورة مختلفة بعض الشيء، والبعض يرى في التحرك المصري اعتراضاَ على المبادرة الروسية وتعطيلاً لها، ويرجح أن يكون هذا التحرك منسقاً مع عواصم خليجية بالأساس.
مشكلة السياسة الخارجية المصرية أنه لا أحد يتحدث بها من كبار المسؤولين المصريين، باستثناء ما يجرى ترديده من مواقف عامة وضبابية تزيد المشهد تعقيداً بدل أن تسهم في إجلاء الصورة وتبديد الغموض ورسم الفواصل بين ما “مصري” في حسابات هذه السياسة، وما تمليه حسابات الحلفاء ومصالح الداعمين والمانحين، الذين نجحوا بتأزيم المشكلات وإطالة أمدها، فكانوا جزءاً منها بدل أن يكونوا جزءا من الحل.
عودة الروح للدور المصري الإقليمي أمرٌ يفرح الجميع، لكن مصر الكبيرة بإرثها وتاريخها وشعبها ومكانتها في قلب العالم العربي، يجب أن تظل كبيرة في مواقفها وحذرة في مقارباتها، وأن تلعب دور “إطفائي الحرائق” في المنطقة، لا أن تدخل في دهاليز وزواريب الخلافات البينية الفلسطينية… وأن تنظر إلى سوريا بنفس العين التي تنظر فيها إلى التحديات التي تجابهها في الداخل، سواء مع حركات الإسلام السياسي أو جماعات الإسلام المسلح.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

خليل حسين

خليل حسين يكتب: العقوبات الأمريكية على إيران والاتفاق النووي

خليل حسين من الواضح أن ثمة مؤشرات تصعيدية واضحة في العلاقات الأمريكية ...