الرئيسية / مقالات / الدين والوحدة الوطنية

الدين والوحدة الوطنية

الرابط المختصر:

د. حسن حنفي – الاتحاد الإماراتية

حسن حنفي

يظهر موضوع الوحدة الوطنية بين عنصري الأمة المسلمين والأقباط داخل مصر أو خارجها، على أنها الدرع الوحيد الذي يحمي الشعب من الطائفية التي قد يغرسها الاستعمار ويتلاعب بها لإحداث الفرقة والقضاء على وحدة الشعب. والحقيقة أن الطائفية في مصر ليس لها أي أساس في مجتمع ثوري يقوم على المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات. كل على قدر جهده، وكل له فرص متساوية في العمل. فلا توزع الأعمال على أساس طائفي، والترقيات بالأقدمية أو الكفاءة، والأجور على مستوى العمل وليس كما كانت تروج أجهزة الدعاية الغربية بأن الاشتراكية في مصر، في عهد عبدالناصر، كانت تقوم على أساس طائفي. ويدخل الطلاب الجامعات على أساس المجموع وليس على أساس الدين. والمادة الرابعة والعشرون من الدستور في ذلك الوقت كانت تنص على أن المصريين أمام القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة.

تقوم الوحدة الوطنية إذن بين المسلمين والمسيحيين على مبادئ الثورة، فالإسلام والمسيحية كلاهما ثورة، قاما على المحبة والمساواة وتكافؤ الفرص وهي المبادئ التي نادت بها الأديان. لقد عملت الأديان للفقراء والمساكين والعامة، واستنكرت الظلم وعدم العدل. والوحدة الوطنية بين عنصري الأمة هي الأساس كما بان ذلك في ثورة 1919 في مصر.

لقد ‬رفعت ‬الثورة ‬شعار ‬الوحدة ‬الوطنية ‬حتى ‬تفوّت ‬على ‬الاستعمار ‬فرصة التفرقة ‬بين ‬أبناء ‬الوطن ‬الواحد ‬تحت ‬ستار ‬الحزبية ‬أو ‬الطائفية. ‬فالكل ‬عرب ‬لا ‬فرق ‬بينهم ‬لأن ‬كل ‬فرد ‬يعرف ‬واجبه ‬وهدفه ‬وهو ‬الحرية ‬والاستقلال. ‬إن ‬الإسلام ‬يقتضي ‬تضامناً ‬ووحدة ‬بين ‬الأشقاء ‬والعمل ‬من ‬أجل ‬عزة ‬العروبة. ‬كما ‬ينادي ‬الإسلام ‬بالتعاون ‬على ‬البر ‬والتقوى ‬ليس ‬فقط ‬بالأبناء ‬والآباء ‬بل ‬بالأمة ‬كلها. ‬والتدين والالتزام ‬في ‬جميع ‬الأمور ‬يعني ‬التخلص ‬من ‬الأنانية ‬والفردية، ‬كما يعني ‬رفض ‬ألاعيب ‬الاستعمار ‬ونبذ ‬لغة التفرقة الطائفية. ‬ويعني ‬بناء ‬البلاد ‬من ‬أجل ‬صالح ‬الأبناء ‬في ‬الحاضر ‬والمستقبل. و‬تلك ‬هي ‬تعاليم الدين الحنيف ‬الواضحة في التعايش وعمارة الأرض. ‬وطريق ‬الوحدة ‬الوطنية ‬هو ‬طريق ‬التسامح، ‬والتسامح هو جوهر ‬تعاليم ‬الإسلام. ‬

وقد ظهر الإسلام في معارك الوحدة العربية في 1958 بعد اتحاد مصر وسوريا وتكوين الجمهورية العربية المتحدة. دخل الإسلام المعركة على نحو تاريخي عن طريق استرجاع الحروب ضد الغزاة، أو مظاهر الاستعمار في صوره القديمة وتوحيد المسلمين تحت قيادة صلاح الدين الذي وحّد مصر وسوريا. لقد انتهز الاستعمار الأوروبي في ذلك الوقت تفكك الأمة العربية واستطاع باسم حملات الفرنجة -وهي شكل مقنَّع للاستعمار تحت ستار الدين– أن ينفذ إلى الوطن العربي. وعلى رغم ضعف العرب هبُّوا للدفاع عن أراضيهم، واتحدت الأمة لمواجهة الغزو الاستعماري، وكان النصر حليف القومية العربية. واستمرت الحرب ثمانين سنة، واستطاع الصليبيون في أول الأمر احتلال فلسطين وبيت المقدس وتفرقة الأمة العربية وقطع الطريق بين مصر والشام. فكان اتحاد مصر وسوريا هو سبيل النصر. فقد أرسل السلطان نور الدين محمد -السلطان السوري- جيشه ليحارب مع جيش مصر ضد الغزاة. ثم اتحدت مصر وسوريا مرة أخرى تحت قيادة صلاح الدين ليصد غزو الفرنجة ضد سوريا بعد ذلك بربع قرن، وانتصر صلاح الدين في معركة حطين، فكانت الوحدة هي الدرع الذي تحطمت عليه موجات الغزاة. كما استطاعت الوحدة بين مصر وسوريا قبل ذلك صد هجمات التتار التي وصلت حتى بغداد واستولى عليها هولاكو ثم توجه إلى سوريا فقامت مصر لتحارب مع سوريا وهزمت جيوش التتار في عين جالوت. ولم ينخدع المسيحيون العرب بحملات الفرنجة لأنهم كانوا يؤمنون بالقومية العربية وباستقلال أراضيهم التي نشأوا عليها فوقفوا جنباً إلى جنب بجوار أبناء وطنهم المسلمين يدافعون عن أوطانهم. فكانت وحدة المسلمين والمسيحيين سبيل النصر.

والآن يعيد التاريخ نفسه. فلا سبيل إلى تحرير الأراضي العربية من الصهيونية العالمية إلا بوحدة مصر وسوريا والوحدة العربية عامة. ولم تكن مصادفة أن دخل الجنرال أللنبي قائد الجيوش البريطانية إلى القدس وقال «اليوم انتهت الحروب الصليبية»! ولم تكن مصادفة أيضاً حين وصل القائد الفرنسي «غورو» إلى دمشق ووقف أمام قبر صلاح الدين وقال «ها قد عدنا يا صلاح الدين»! لقد هُزم العرب في 1948 لأنهم كانوا سبعة جيوش عربية، ولو كانوا جيشاً واحداً مثل جيش صلاح الدين لكان النصر حليفهم. ولكن تاريخ الأمة العربية شاهد على أنها قادرة على الصمود والعزم على التحرر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

دونالد-ترامب

مستقبل العلاقات العربية الأمريكية بعد فوز ترامب

عبد الرحمن صلاح الدين لم يكن صناع القرار في العالم العربي متهيئين ...