الرئيسية / مقالات / الصراع على التطرف!

الصراع على التطرف!

الرابط المختصر:

منار الرشواني – الغد الأردنية

منار الرشواني

فيما كان العالم يتجه نحو تنظيم “داعش” باعتباره الملهم، إن لم يكن المخطط، للهجوم الإرهابي على صحيفة “شارلي إيبدو” الفرنسية، فقد بدا مفاجئاً بالتالي أن تكون المذبحة من إعداد وتنفيذ غريم التنظيم؛ “القاعدة” (في الجزيرة العربية). وهو ما قرأه كثيرون، منطقياً، باعتبار أنه يجسد صراعاً داخلياً بين التنظيمات المتطرفة، لإثبات حضورها في مواجهة بعضها بعضاً، وذلك في إطار التنافس على استقطاب الأعضاء والأنصار ولربما الممولين. وبما ينذر، بالنتيجة، بتصاعد حدة العمليات الإرهابية؛ كماً ودموية، كما اتساع ساحاتها.
يتعزز هذا الاتجاه بوجود صراع على التطرف المدعي الانتساب إلى الإسلام، بالعملية الانتحارية المزدوجة في جبل محسن بطرابلس لبنان، قبل أيام. إذ فيما تفاخر “جبهة النصرة” (المنضوية في إطار “القاعدة”) بمسؤوليتها عن العملية، يؤكد وزير الداخلية اللبناني نهاد المشنوق، وقوف “داعش” خلف الجريمة.
لكن، بناء على ما سبق، يكون السؤال المسكوت عنه هنا هو: كيف يكون منطقياً استخدام سفك الدماء والأرواح، و”إقامة الحدود”، لنيل الشعبية، بل والشرعية؟ ففي وضع طبيعي، أو حتى أقل من ذلك بكثير، يفترض أن تؤدي هكذا وحشية وإرهاب إلى إضعاف التنظيمات الممارسة لهما من داخلها، أو بأسوأ الأحوال تجميد عضويتها تلقائياً إلى حين الاضمحلال الطبيعي أو الاستئصال العسكري والأمني، وهو ما لا يحدث في الواقع!
حل هذه المعضلة يتمثل في حقيقة أن الصراع على التطرف ليس صراعاً داخلياً محصوراً بين التنظيمات المتطرفة والإرهابية فقط؛ بل هو صراع أوسع، يبدو واضحاً، من ناحية، بين هذه التنظيمات وبين كثير من الحركات “القومية” المتطرفة في أوروبا، من قبيل حزب “الجبهة الوطنية” الفرنسي العنصري، مثلاً، والأسبق بعقود، في وجوده وتنامي شعبيته، على ظهور “القاعدة” وتفرعاتها. وكذلك حال حركة “بيغيدا” الألمانية المتعاظمة التأثير في مناهضة ما تسميه “أسلمة الغرب”، قبل جريمة “شارلي إيبدو”.
من ناحية أخرى، وبما يعد الأهم، هو شمولية الصراع على التطرف ليضم ذاك القائم بين التنظيمات المتطرفة الإسلامية وبين كثير من الأنظمة العربية التي حتى إن ادعى بعضها “علمانية” ما، فإنها تظل متطرفة بالدرجة ذاتها، وبوسائل قد لا تختلف كثيراً أو أبدا. إذ إن محاربة “التطرف الإسلامي” تغدو الذريعة الأمثل لممارسة “التطرف العلماني” على يد أنظمة حاكمة، بشكل قتل جماعي بحق كل المعارضين والمدنيين، ولتتحول هذه الذريعة تلقائياً إلى أفضل أداة تجنيد للتطرف الديني. وهو ما تثبته تماماً تجربة عراق نوري المالكي وسورية بشار الأسد.
هكذا، وبالنظر إلى السياق بشكله الكامل والشامل، والذي لا يسمح إلا بالاختيار بين تطرف وتطرف، لاسيما في العالم العربي، يكون “طبيعياً” أن يغدو الإرهاب والتوحش مصدر الشرعية على الجانبين، بل ويغذي -بداهة- كل منهما الآخر. وهو يعيدنا مرة أخرى إلى حقيقة أن المعركة في العالم العربي، وقد صار يعتبر مصدر كل الشرور العابرة للحدود والقارات، إنما هي معركة بدائل، وأول ما يعنيه ذلك أنه لا يمكن استئصال إرهاب وتطرف التنظيمات بإرهاب وتطرف أنظمة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جوزيف ليبرمان

جوزيف ليبرمان و مارك والاس يكتبان: كيف ينبغي على ترامب أن يعيد التفاوض حول الاتفاق النووي

جوزيف ليبرمان و مارك والاس مثل الرئيس الأميركي المنتخب، دونالد ترامب، عارضنا بشدة ...