الرئيسية / مقالات / سجالات التظاهرة الباريسية

سجالات التظاهرة الباريسية

الرابط المختصر:

ماجد كيالي – المستقبل اللبنانية

أطلقت التظاهرة الباريسية سجالات حامية، بيد أن أغلبها اتّسم بالتسرّع وسوق الافكار الجاهزة والمسبقة، المبنية على عقلية المؤامرة، أو التشكّك بواقعة الحدث الإرهابي في فرنسا وأغراضها، وتالياً التشكّك بالغرب.

يلفت في هذه السجالات تساؤل البعض عن خروج ملايين المتظاهرين، مع عشرات من قادة دول العالم، للتظاهر من أجل 17 فرنسياً، في حين يقتل الألوف أو مئات الألوف في بلداننا (لاسيما في غزة وسوريا)، من دون أن يتظاهر أحد من أجلهم، وهو تساؤل مشروع بيد أنه يفضح واقعنا نحن، ويكشف هشاشة إدراكاتنا نحن، لذاتنا وللعالم من حولنا. وربما كان الأجدى من ذلك، التساؤل عن عدم خروج مئات ألوف او عشرات ألوف من مئات ملايين العرب والمسلمين في تظاهرات إبان حصار بيروت (1982)، أو إبان الانتفاضة الاولى (1987)التي استمرت ستة أعوام، أو رفضاً لحصار العراق الذي استمر 12 عاما، أو إبان الانتفاضة الثانية (2000) التي استمرت خمسة أعوام أو دفاعاً عن شعب لبنان في مواجهة اعتداءات إسرائيل، أو أبان الحروب الثلاث على غزة، أو تضامناً مع شعب سوريا، الذي يتعرض للقتل الوحشي بالطائرات والبراميل المتفجرة وقذائف المدفعية والصواريخ منذ أربعة أعوام، مع ربع مليون من الضحايا السوريين، وملايين اللاجئين والمشردين، مع عشرات آلاف القتلى تحت التعذيب، ومئات الغرقى في مياه البحر الأبيض المتوسط.

والقصد أننا لا يمكن ان نطالب الغرب بما لا نفعله نحن لأنفسنا، وأننا ونحن نستكثر عليه انتصاره للإنسان وللحياة والحرية، إنما نعبر عن نقص هذه القيم في ادراكاتنا، أو أقله نقص في استعداداتنا للدفاع عنها، ما يقلل من احترامنا لأنفسنا وتاليا من احترام العالم لنا.

المشكلة أن هذا التساؤل، الذي يبدو بريئا، لم يخل من حمولات الغضب والاستنكار والتشكك، في حين الأولى بنا أن نغضب على أنفسنا، وأن نستنكر واقعنا، وحال الهوان المزمن التي تعشش في دواخلنا، وأن نتعلم من شعوب العالم الحية الإحساس الجمعي بالمواطنة، الذي دفعت ثمنه باهظا، من المعاناة والعذابات والحروب والدماء، حتى صارت ما هي عليه، أي شعوبا بمعنى الكلمة.

وللأسف، ففي خضم كل ذلك، فقد فات أصحاب هذا التساؤل، أيضاً، البعد الأخلاقي للتضامن مع الفرنسيين، انطلاقا من وحدة الإنسانية، بغض النظر عن الهوية والديانة والمكانة، وأن الجريمة هي جريمة، مهما كان حجمها، وأنه لا توجد واحدة تبرّر غيرها، ولا مجرم يغطّي على آخر. كما فاتهم أن هذا التضامن ليس منّة، وإنما عمل أخلاقي نابع من الضمير، وتعبير عن وعي معين للذات وللعالم، وللقيم الإنسانية، إذ أن انتصارك للحرية والعدالة عند الاخرين هو انتصار لحريتك وعدالتك.

أيضاً، جملة Je suis Charlie التي راجت في مواقع التواصل الاجتماعي تعبيرا عن التضامن مع الضحايا الفرنسيين، أثارت ردود فعل مضادة تمثلت برفض اللغة الاعتذارية، باعتبار أن الارهابيين فرنسيين، ومن مواليد فرنسا، أصلاً، وأن الإسلام، والمسلمين براء منهم، كما ثمة آخرون رفضوا ذلك باعتبار أن الغرب يتحمل المسؤولية عن نشوء الإرهاب، وانه ليس بريئا من دماء العرب والمسلمين، وبالطبع فثمة من أثار الشكوك حول هذه العمليات التي رأى فيها محاولة لإثارة فوبيا الإسلام في الدول الأوروبية.

والحال، فربما أن البعض بالغ باستعارة العبارة المذكورة، من الفرنسيين، لكن من المستبعد أن أصحابها مؤيدون لما ذهبت إليه الجريدة (الضحية) في ما يتعلق بالتهكم على معتقدات المسلمين، لما فيه من استهزاء بالآخر والحط من قيمته، مع التمييز بين التهكم والنقد المشروع.

مع ذلك فإن تابعية منفذي العمليتين الاجراميتين الفرنسيين إلى الحركات الإرهابية، التي تتغطى بالإسلام، تفترض من التيارات السياسية العربية، وبخاصة الإسلامية، ليس فقط ادانة هذه الفعلة الشنيعة، التي تضر بصورة الإسلام والمسلمين ومكانتهم، وإنما رفع الغطاء الإسلامي عنهم، ودحض منطلقاتهم وكشف تهافت منطقهم، وهذا لا يحصل على النحو المناسب. وبالأصل فهذا لا يحصل حتى إزاء الجرائم التي ترتكبها هذه الجماعات في بلداننا، وضمن ذلك أعمال الجلد أو الرجم أو القتل باسم الذات الإلهية، أو باسم الإسلام، والتي تقف ازاءها مختلف الجماعات الإسلامية، المعتدلة، موقفاً متردداً أو مائعاً، تدين الفعلة من دون أن تدين القائمين بها، أو من دون أن تدحض المنطلقات الدينية التي تتأسس عليها.

هكذا، وإذا كانت اللغة الاعتذارية تنطوي على مبالغة وجلد للذات فإن لغة الإنكار لا تفيد وتضر، إذ الأجدى الاعتراف بقصور وعينا لأحوالنا وللآخرين، والتنبه إلى قصور إدراكاتنا لحق الحياة والحرية والمساواة، وعدم تحميل كل مشكلاتنا للخارج، أو للغرب، كأننا لا ندمر بيوتنا ولا نحرق مساجدنا ولا نقتل بعضنا ولا ننتهك حرمات بيوتنا ولا نسخر من معتقداتنا.

عموماً، لا يبدو أن فرنسا كانت بحاجة لأي اعتذار من أي أحد، فالرئيس الفرنسي ذاته أعلن أن الإرهابيين لا علاقة لهم بالإسلام، وان التطرف والإرهاب قتل المسلمين في أفريقيا والعراق وسوريا وفرنسا، مؤكدا احترام كل الأديان والتعايش بين كل المواطنين. بل إن الغرب، ممثلا بحكومات وبرلمانات فرنسا وألمانيا، مثلا، بات يخوض حملة ضد المتطرفين الفرنسيين والألمان، الذين ينفخون في فوبيا الإسلام، مع تأكيدهم أن فرنسا لكل الفرنسيين وأن المانيا لكل الألمان، بما فيهم المسلمين. وهذه أنجيلا ميركل، المستشارة الألمانية، تؤكد في مؤتمر، مع رئيس الحكومة التركي داود اوغلو (13/1) رفضها لأي عداء للمسلمين، معتبرة أن «الإسلام جزء من الثقافة الألمانية الحديثة»، وأن القوانين الألمانية «تحترم جميع من يعيش في الدولة بغض النظر عن القومية والديانة.»

المهم أن كل التشكيكات والتخوفات بشأن مواقف حكومات ومجتمعات الغرب إزاء مواطنيها المسلمين بدت في غير محلها، وتكشفت عن توهمات، إذ أظهر هذا الغرب تشبّثه بمواطنيه المسلمين، علما ان ذلك يتم في عالم عربي لا تقبل فيه دولة توطين أي عربي آخر فيها، بل أنها حتى لا تعترف بمكانة، أو بحقوق المواطنة، لمن يفترض انهم مواطنيها! ومعنى ذلك أن الدول الغربية اختلفنا معها أو اتفقنا، تعجبنا او لا تعجبنا، تعمل على أساس إعلاء حق الانسان في الحياة والحرية والمساواة، ونبذ العنف والعنصرية، وهذا ما نفتقده، أو لم نصل إليه بعد، في بلداننا وفي ادراكاتنا الجمعية.

أخيرا، وفي هذا السجال كان لابد من إسرائيل، وكأن هذا ما كان ينقصنا، إذ أن مشاركة نتنياهو اثارت، بدورها، ردود فعل متسرعة، ونمطية، عززت نظرية المؤامرة في كل ما يجري. بيد ان هذه القصة انكشفت، كسابقتها، إذ تبين أن فرنسا رفضت من الأصل حضور نتنياهو، ولم تدعه قط، وأنه عندما أصر على الحضور، تم استحضار فلسطين، أيضا، ممثلة بالرئيس محمود عباس. وفي هذا الأمر تبين ان ثمة معركة دبلوماسية جرت وراء الستار بين الحكومتين الفرنسية والإسرائيلية. والقصة ان نتنياهو حاول إحراج الفرنسيين، لأغراض سياسية وشخصية، مستغلاً حادثة مصرع أربعة فرنسيين يهود، وهو ما أثار حفيظة الرئيس الفرنسي، الذي لم يخف في تصريحاته وتصرفاته تبرمه من سلوك نتنياهو. وهذا شمعون شيفر، المحلل الإسرائيلي، يقول: «إن سلوك نتنياهو الفظ في المسيرة في باريس يشير إلى ظاهرتين ترتبطان الواحدة بالأخرى. الأولى، رئيس وزرائنا أصبح شخصية مكروهة من زعماء أوروبا. وعلى هذه الخلفية لم يرغب الفرنسيون في أن يكون حاضراً في الحدث؛ والثانية، سلوكه لم يأتِ لتعزيز الشرف الاسرائيلي، بل لتسويق نفسه بكل ثمن. على حسابنا أيضاً.»

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عمر قدور يكتب: في أننا حُرمنا من حربنا

عمر قدور في خريف عام 2012 كانت فصائل المعارضة قد اقتربت إلى ...