الرئيسية / مقالات / لماذا تقع الاعتداءات على بلدان الغرب؟

لماذا تقع الاعتداءات على بلدان الغرب؟

الرابط المختصر:

عبد الإله بلقزيز – الخليج الإماراتية

عبد الإله بلقزيز

ما وقع في باريس من اعتداء إرهابي على الصحافة والمدنيين والشرطة يمكن أن يقع في أي عاصمة أوروبية أو عالمية أخرى لأسباب عدة: لأن الجماعات المتطرفة قادرة على تغيير مسرح عملياتها والانتقال من أفغانستان، أو سوريا، أو العراق، أو اليمن، أو ليبيا، أو الصومال، أو مالي . . إلى أي مكان آخر في العالم، فلقد راكمت من الخبرات الفنية – في العقدين الأخيرين – ما تستطيع به أن تستثمر الثغرات الأمنية في البلدان التي تستهدفها، وأن تعطل مفعول إجراءات المراقبة والاحتراز ضد خلاياها وشبكاتها، فتضرب ضربتها المفاجئة في المكان والزمان المناسبين . ذلك ما حصل في نيويورك وواشنطن وبنسلفانيا ومدريد ولندن التي أخذت أهداف فيها على حين غرة .
ثم لأن الجماعات تلك طورت أسلوباً في الاختراق لم يعد يعتمد على إرسال خلاياها المقاتلة من خارج لما ينطوي عليه ذلك من مخاطر كشفها وتوقيفها قبل تنفيذ عملياتها – وإنما باتت تتوسل مواطنين من تلك البلدان للقيام بمثل تلك العمليات، بعد تجنيدهم: التجنيد المباشر في بلدانهم أو في مسارح عملياتها في الخارج، أو التجنيد الإلكتروني الذي أصبحت نجاعته محط اعتراف الجميع منذ بدأ تنظيم “القاعدة” العمل به بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 .
ثم لأنها (أي الجماعات) استقبلت، في معسكراتها وفي ساحات قتالها، آلاف المواطنين الغربيين – مسلمين وغير مسلمين – ودربتهم وجهزتهم بالخبرة الفنية، وشارك قسم كبير منهم في حروبها في أفغانستان، والبوسنة والهرسك، والشيشان، والعراق، وسوريا وسواها . ويشكل هؤلاء ذخيرة حية للجماعات تلك، خاصة حينما يعودون إلى بلدانهم ويكون عليهم أن ينفذوا فيها أوامر أمرائهم . ولقد شهدنا مثالات لذلك، في بلادنا العربية، حين عاد إليها “الأفغان العرب” من رحلة “الجهاد” الطويلة لينقلوا ذلك “الجهاد” من “دار الحرب” إلى دار الإسلام، وهذا ما قد لا تستطيع دول الغرب دفعه بعد عودة مواطنيها من ساحات القتال الخارجية .
وأخيراً لأن بعض هذه الدول الغربية لعبت بالنار، طويلاً، حين توسلت جماعات التطرف أدوات ومطارق لضرب خصومها، أو هز الاستقرار في بلاد عربية وإسلامية بعينها، أو إسقاط بعض أنظمتها التي لا ترغب في بقائها . بدأت الإدارة الأمريكية ذلك منذ تحالفها – في عهد رونالد ريغان – مع من سمتهم “أبطال الحرية” قبل أن تحترق أصابعها بنيرانهم وتابعت نهجها بريطانيا وفرنسا وإسبانيا أثنار من دون أن تتعظ بدروس 11 سبتمبر ،2001 ليصيبها ما أصابها من نيرانهم، ثم ها هي دول الغرب تجتمع على ممارسة اللعبة الخطرة عينها، في البلاد العربية، منذ اندلاع أحداث ما سمته “الربيع العربي”، فحالفت الجماعات إياها في ليبيا وسوريا، وزودتها بالأسلحة والدعم اللوجيستي، وغضت الطرف عن التحاق أعداد هائلة من مواطنيها بساحات القتال . ما الذي كانت تنتظره، إذاً، من هؤلاء الذين أطلقتهم للنهش في سوريا وليبيا: أن يحفظوا لعونها جميلاً؟ أن يوفروها من مشروعهم “الجهادي”؟ أن يؤدوا المطلوب منهم ويردوا السيوف إلى أغمادها؟ أن يعودوا إلى أوطانهم الأوروبية مواطنين صالحين؟
دفعت شعوب الغرب، ومنها الشعب الفرنسي، الضريبة الثقيلة التي دفعتها شعوبنا العربية والإسلامية من هيجان موجات الإرهاب التي لا تحدها ضفاف . لكنها، أيضاً، دفعت ثمن السياسات الخرقاء لحكوماتها اللاعبة بالنار . ولقد كتبنا في مناسبات كثيرة – في هذا المنبر – محذرين من أن تلك السياسات ستنتهي بأصحابها إلى مواجهة الإرهاب في عقر دارهم . طبعاً هذا لا يبرر تلك الجرائم النكراء التي ارتكبت في ميترو لندن، ومحطات القطارات في مدريد، ومقر صحيفة شارلي إيبدو في باريس . ولكن على أي سياسي أوروبي غازل المتطرفين يوماً، وراهن عليهم قبل أن يؤذوا بلده، أن يسأل نفسه: لماذا لا تتعرض بلدان غربية أخرى مثل بلدان أوروبا الشمالية (الاسكندنافية)، أو النمسا، أو سويسرا، أو لوكسمبورغ، أو البرتغال، أو اليابان . . لمثل هذه العمليات الإرهابية مع أنها غربية وغير مسلمة وفيها مسلمون؟ ولماذا لا يحدث ذلك في بلدان أخرى غير غربية، فيها مسلمون، مثل الصين والبرازيل والأرجنتين والشيلي؟ أليس لأن حكومات هذه البلدان تنأى بنفسها عن تلك اللعبة الخطرة التي ورطت فيها حكومات أوروبية أخرى نفسها مقتدية، في ذلك، بما درجت الإدارة الأمريكية على فعله .
وقفة التعاطف مع فرنسا، في مسيرتها ضد الإرهاب، وقفة حضارية وإن لوثها إرهابيون كبار من طراز بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء الكيان الصهيوني . إنها وقفة الاحتجاج على البربرية الدموية المستفحلة، وقد ناظرتها في الاحتجاج عشرات المسيرات والاعتصامات في العالم، المنددة بالجريمة النكراء في باريس، ومئات بيانات الاستنكار الصادرة من حكومات وأحزاب ومنظمات حقوقية وثقافية، ناهيك بمئات مقالات الرأي المنشورة في الموضوع . مشهد عز له نظير في التاريخ المعاصر . ولكن، من انتبه يوماً إلى قتلانا الذين سقطوا برصاص الإرهاب؟ في سوريا، مثلاً، ذهب عشرات الآلاف من المدنيين والجنود ضحية أعمال القتل التي قامت بها الجماعات المسلحة المتطرفة . هل استنكر أحد من السياسيين الغربيين هذه الجرائم النكراء؟ ما نعرفه هو أنهم وضعوها في عداد يوميات “الثورة السورية” و”كفاحات” الثوار” . وسقط في مصر مئات من المدنيين والجنود برصاص الإرهاب . لكن أكثر السياسيين الغربيين عدوا ذلك في جملة ردود الفعل على “الانقلابيين” (كما تصفهم قناة “الجزيزة”) . وقل ذلك عما جرى ويجري في ليبيا والعراق .
الأنكى والأمر نفاق الغرب وازدواجية معاييره، يحق لأي صحفي تافه أو موتور أن يمارس حريته في العدوان على صورة نبي الإسلام الكريم، ولكنه لا يملك الحق في التشكيك في الرواية عن “المحرقة” (الهولوكوست)، بل حتى التساؤل عن صحة الأحداث والأرقام، إذا تعرض للأذى من إسلاميين غاضبين للعدوان على رسولهم، صار الجميع في المسيرات تضامناً مع حرية الصحافة . أما إذا تطاول على رواية “المحرقة” سيقَ إلى السجن .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

خليل حسين

خليل حسين يكتب: العقوبات الأمريكية على إيران والاتفاق النووي

خليل حسين من الواضح أن ثمة مؤشرات تصعيدية واضحة في العلاقات الأمريكية ...