الرئيسية / مقالات / كيف يمكن مواجهة الإرهاب؟

كيف يمكن مواجهة الإرهاب؟

الرابط المختصر:

السيد يسين – الاتحاد الإماراتية

السيد يسين

ليس هناك شك في أن الإرهاب على مستوى العالم أصبح هو القضية التي تملأ الدنيا وتشغل الناس. ويكفي في هذا المجال أن نشير إلى الخطورة الشديدة لتنظيم «داعش» الإرهابي الذي أقام «خلافة إسلامية» مزعومة تمتد من سوريا إلى العراق. ووقائع هذا التمدد الذي سمح لهذا التنظيم أن يحتل مساحات شاسعة في العراق وأن يستولي على مدن كبرى كالموصل وغيرها تبعث على الدهشة الشديدة. ووصلت الخطورة إلى أن تنظيم «داعش» سيطر على بعض آبار النفط وبدأ بيعه في السوق من خلال شبكات سرية تورطت فيها أطراف دولية شتى، مما جعل المراقبين يقررون أن تنظيم «داعش» أصبح أغنى الجماعات الإرهابية في العالم! وفي مواجهة «داعش» تشكل تحالف دولي تشارك فيه بعض الدول العربية. ومع كل هذا، فإن التصريحات الأميركية تقول إنه لا يمكن القضاء على «داعش» إلا بعد سنوات، وكأن هذا التنظيم يمثل قوة عسكرية جبارة لا تستطيع الدول الكبرى هزيمتها في ميدان المعارك!

والعالم مشغول بالجرائم الإرهابية والمذابح الجماعية التي يرتكبها تنظيم «داعش» كل يوم، وإذا بالهجوم الدموي على محرري جريدة «شارلي إيبدو» الفرنسية الساخرة يوقع اثني عشر قتيلاً مرة واحدة. وهو الحادث الإرهابي الذي هز العالم؛ لأن معناه أن الدول الغربية أصبحت هدفاً للإرهاب. والإرهاب الذي تقوم به جماعات تكفيرية متشددة لا يوجه ضرباته الغادرة ضد الأجانب فقط، ولكنه في سيناء- يمارس جرائم يومياً ضد المواطنين المصريين سواء في سيناء أو في الوادي، مما يطرح تساؤلات جدية حول أنجح الوسائل لمكافحته وفق خطة متكاملة.

وقد تعرض مؤتمر شباب الباحثين الذي نظمه المركز العربي للبحوث بالتعاون مع وزارة الشباب لهذا الموضوع من خلال أبحاث علمية رصينة عرضت في المؤتمر وأثمرت مناقشات خصبة، أدت إلى صياغة عدد من التوصيات من المهم أن نعرض لها لكي نعرف كيف يفكر الشباب في هذه المشكلة، خصوصاً أن أنصار الجماعات التكفيرية الإرهابية يتشكلون أساساً من الشباب. وقد التفتت التوصيات بذكاء إلى ظاهرة العائدين من صفوف الجماعات الإرهابية في سوريا والعراق، فاقترحت إعداد قاعدة بيانات عن الشباب المنضمين للجماعات الإرهابية في دول الإقليم ومدى انخراطهم في العمليات القتالية التي تقوم بها تلك التنظيمات. ويرتبط بهذه التوصية «ضرورة إنشاء مرصد يقوم عليه مجموعة من الباحثين المتخصصين لرصد الممارسات الإرهابية وصياغة برامج للأمن الفكري تتناسب مع الأوضاع المجتمعية والاقتصادية السائدة في الدولة». ويلفت النظر في التوصيات توصية مهمة وإن كان يعيبها أنها مجملة وتفتقر إلى التحديد لتوضيح الأبعاد المختلفة للمقترحات التي تدعو لها. تقول التوصية: «ان تكون استراتيجية المواجهة للجماعات الإرهابية متعددة الأوجه تستعمل فيها الوسائل الأمنية والثقافية والتعبئة والإجراءات السياسية في خطة متكاملة».

وإذا بدأنا بالوسائل النفسية التي يمكن أن تلجأ إليها الدولة في مواجهة الجماعات الإرهابية لقلنا إنها لا بد أن تركز أولاً على ظاهرة التطرف الإيديولوجي بصوره المتعددة، الذي يقوم أساساً على تبني أفكار متشددة تعلي من قيمة الذات وتنظر نظرة دونية للآخر أياً كان.

وفي هذا المجال تعرف بحوث علم النفس الاجتماعي مبحثاً خاصاً يتعلق بالأساليب الفعالة لتغيير الاتجاهات المتطرفة. وقد تكون عملية تجديد الخطاب الديني من بين الوسائل الفعالة في مجال تفكيك الآراء المتشددة وتذويب الجمود الفكري لأعضاء هذه الجماعات. كما أن ترسيخ قواعد النقد الذاتي في المجتمع يعد آلية فعالية، خصوصاً حين يصبح ذلك تقليداً اجتماعياً تمارسه كافة الجماعات الإيديولوجية التي تتوزع بين اليمين المتطرف واليسار المتطرف. ويمكن القول بإيجاز إن أبرز المقترحات لصياغة سياسة متكاملة لمواجهة الإرهاب هي إعادة صياغة العقل العربي حتى يتحول من عقل تقليدي إلى عقل نقدي قادر على التعامل مع الأوضاع الدولية والسياسية والثقافية في العالم المعاصر، ولا يمكن تحقيق هذا الهدف بغير ثورة تعليمية شاملة سواء في مجال التعليم المدني الذي يركز على تأسيس عقول اتباعية عاجزة عن المساءلة، أو التعليم الديني الذي يقوم –للأسف الشديد- على النقل وليس على العقل. وكل ذلك يقتضي في الواقع ممارسة ديمقراطية مفتوحة، ومجتمعاً مدنياً يسع الطاقات الكبرى للشباب، حتى يسهموا بفعالية في نهضة المجتمع العربي المعاصر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عمر قدور يكتب: في أننا حُرمنا من حربنا

عمر قدور في خريف عام 2012 كانت فصائل المعارضة قد اقتربت إلى ...