الرئيسية / مقالات / الخيال السياسي.. حاجة ضرورية

الخيال السياسي.. حاجة ضرورية

الرابط المختصر:

د. عمار علي حسن – الاتحاد الإماراتية

عمار علي حسن

كان من الضروري أن يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً عقب اندلاع الثورات والانتفاضات العربية هو: أين الخيال السياسي؟ لاسيما أن من أداروا الأمور افتقدوا إلى أي تفكير غير تقليدي واعتيادي ومستهلك، من بين ذلك الراقد في بطن صندوق محكم، أضلاعه الستة هي: الاستبداد السياسي، والترهل البيروقراطي والمؤسسي، والفساد الإداري والاقتصادي، وشيخوخة النخبة، وتخلف التشريعات، والتبعية للخارج.

والخيال الذي نقصده في هذا المقام ليس الشرود في أوهام وضلالات لا أصل لها ولا فصل، وليس الاستسلام إلى الخرافات والأساطير التي قد تُسرّي عن النفس، وتردم الهوة الواسعة بين التعاسة والسعادة، وبين العيش في نكد والحلم بالطيران إلى الفردوس الأرضي، وليس هو بناء التصرفات وفقاً لما يقوله العرافون والمنجمون وقارئو الكف، وإنما التنبؤ العلمي بما سيأتي بعد فهم ما جرى، وتحليل ما يجري وفق منهج دقيق، مع إعطاء فرصة قوية للتأمل والبصيرة أو الحدس والاستبطان العميق.

بناء على هذه الخلاصات الأساسية، أو وفق ما تهديه إلينا من سبيل، نحتاج إلى أن نوسع دراسة الخيال السياسي، نظرياً وتطبيقياً، في حياتنا المعاصرة، وأن يكون له نصيب في كل ما يأتي:

1- تقديرات المواقف التي يقدمها أو يعدها مساعدو الساسة أو متخذو القرار وكبار موظفي الجهاز الإداري للدولة ومستشاروهم. وقد يتفرغ فريق منهم لممارسة تمارين في الخيال السياسي، وكتابة نتائج ما تخيلوه وتقديمه إلى من يصوغون التصورات النهائية، قبل تقديمها لمتخذي القرار.

2 – توصيات الأطروحات الجامعية والكتب العلمية التي تتصدى لدراسة المشكلات التي يحفل بها واقعنا، ونسعى جاهدين إلى وضع حلول ناجعة لها. فأغلب التوصيات السائدة من هذا النوع لا ترى إلا تحت الأقدام، ولا تنظر إلى الأمام أبداً.

3 – البرامج التي تضعها الأحزاب السياسية، وكذلك المتنافسون على المناصب التشريعية والتنفيذية في الدول. وهنا قد تتنافس الخيالات أيضاً، بما يؤدي إلى تجويد البدائل وتعميق الحلول المقدمة للتغلب على الصعوبات والمشاكل.

4 – التصورات الأمنية الشاملة، المرتبطة بالقضايا السياسية الجوهرية، مثل الحفاظ على الاندماج الاجتماعي الطوعي داخل الدولة، والدفاع عن سيادتها، وتلبية احتياجات الناس الأساسية، وفهم طبيعة ثورة التطلعات الدائمة لديهم.

5 – الخطط التي تضعها المؤسسات والهيئات المنوط بها رسم ملامح السياسات العامة في الدولة على اختلاف أنواعها.

6 – الخطط والبرامج التي تضعها مؤسسات وقوى المجتمع المدني، بوصفها مؤسسات اجتماعية وسيطة، لا غنى لأي مجتمع ديمقراطي حديث عنها، وكيف يمكن لها أن تمارس دوراً مهماً في الواقع، وتعززه بما يقود إلى تعاظم تأثيرها ونفوذها.

7 – التصورات التي تهندسها الحركات الاجتماعية الجديدة، التي تموج بها الساحة الداخلية في دول عربية عدة، وهي ظاهرة قابلة للتصاعد في العقود المقبلة.

8 – الخطط التي ترمي إلى بلورة اتفاقيات ومعاهدات تخص تعزيز التنسيق والتعاون والاعتماد المتبادل بين الدول العربية في المستقبل، ولاسيما أن كل ما يتم في هذا الشأن يبدو غارقاً في تفاصيل الحاضر، مستسلماً للوقائع والأحداث الجارية.

9 – التصورات السياسية والاقتصادية والثقافية التي تحدد علاقة الدول العربية بدول الجوار الإقليمي المتفاعلة معها، أو الراغبة في لعب دور فيها، يتراوح بين التعاون والصراع، مثل تركيا وإيران وباكستان، وهي دول تدخل في الحيز الجغرافي الذي حدده الغرب لنطاق «الشرق الأوسط الكبير».

10 – التصورات الخاصة بعلاقة الدول العربية، كلاً على حدة، أو بها جميعاً عبر جامعة الدول العربية أو غيرها، مع العالم الخارجي، ولاسيما القوى العظمى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية، التي تدافع عن مصالحها في العالم العربي، وتضع الخطط والاستراتيجيات الرامية إلى تحقيق هذا الهدف باقتدار.

وقبل كل هذا، فالفرد نفسه في حاجة إلى إعمال الخيال السياسي قبل اتخاذ قرارات حيال أمور تتعلق بالسلطة، فعندما يقدم فرد على الاختيار من بين متنافسين في الانتخابات المحلية والبرلمانية والرئاسية، دون أن يكون متقيداً بالتزام حزبي ما، فعليه أن يتصور، ولو قليلًا، شيئاً عما يمكن أن يفعله مستقبلًا أي من المتبارين، الذين يتحير في التفضيل بينهم.

فالكل يحتاج إلى خيال، ولولا هذا لبقي الجميع واقفين في مكانهم، من دون أن يتقدموا خطوة واحدة إلى الأمام.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

محمد زاهد غل

محمد زاهد غول يكتب: انقلاب غولن وأمريكا.. وشهد شاهد من أهلها

محمد زاهد غول إن الأدلة على تورط أمريكا بانقلاب يوليو/ تموز 2016 ...