الرئيسية / مقالات / عمل خسيس!

عمل خسيس!

الرابط المختصر:

عيسى الشعيبي – الغد الأردنية

عيسى الشعيبي

لا أدري ما إذا كانت هناك مترادفات لغوية لكلمة “خسيس” التي استخدمها رئيس الوزراء الياباني في وصفه لتهديدات “داعش” بقتل الرهينة الياباني، توازي تلك المترادفات التي يفيض بها قاموس اللغة العربية حول هذه المفردة، بدءاً من تافه وحقير ورخيص ورذيل، إلى زنيم وسافل ونذل ووضيع.
والحق، أن هذا الوصف الياباني الرسمي للتهديد بقتل نفس بريئة، أثار انتباهي وتعجبي معاً، وجعلني أعتقد أن اختيار مثل هذا التوصيف المخفف، حتى لا أقول المهذب، لنية فعل جرمي شائن، لا يرقى أبدا إلى مستوى إدانة القصد الإجرامي المعلن لدى الخاطفين، وأن الأمر كان يستحق استعمال كلمات أبلغ بكثير.
في مقابل هذه النبرة اليابانية المعتدلة، كانت مشاعر السخط العميق والالتياع الشديد، تستبد بقلوب الأردنيين وتستولي على عقولهم، إزاء مخاطر المس بحياة الطيار الأسير معاذ، الذي أصبح ابناً لسائر الآباء والأمهات، وأخاً غالياً لمختلف النساء والرجال، منذ أن سقطت طائرته قبل نحو شهر مرير، ووقع في قبضة الإرهاب اللئيم.
صحيح أننا واليابانيون قد أصبحنا في الهم شرق، وأن هناك مشتركات قيمية كلية تربطنا معاً، أسوة بكل الشعوب والأمم الأخرى، إلا أن هناك تفاوتاً واضحاً في الثقافة الاجتماعية والانفعالات العاطفية، واختلافات بيّنة في ردود الفعل العملية والكلامية، بيننا وبين أول أمّة ضُربت بقنبلة نووية، وذلك لأسباب يطول شرحها، قد تُخرج هذه المساهمة عن موضوعها الرئيس.
ففي الوقت الذي كانت فيه حناجر الأردنيين تصدح بالهتافات الغاضبة خلال الوقفات التضامنية مع معاذ، وكانت القبضات تلوّح محذرة من مغبّة المس بحياة الطيار، كانت جموع قليلة من اليابانيين تقف بخشوع في أحد شوارع طوكيو، متضامنة بصمت ووجوم مع ابنها المخطوف، حاثّة حكومتها على التدخل بكل السبل المتاحة لإنقاذ حياة ذلك الياباني، عاثر الحظ، من حد السكين.
وقد لفتني أحد أولئك اليابانيين المحتجين في طوكيو، وهو يتقدم نحو المراسلين قائلا: لماذا لا يهتم هؤلاء الخاطفون بسمعتهم، ولا يفعلون ما ينبغي فعله لكسب الرأي العام؟ الأمر الذي بدا معه هذا السؤال الاستشراقي الساذج، دليل إثبات على مدى جهل مستهلكي مخرجات الثقافة اليابانية السائدة، التي سبق لها أن أفرزت ظواهر إرهابية مماثلة، بمستجدات عوالم الطفرة الجديدة في عالم الإرهاب.
ذلك أن الإرهابيين الجدد، بطبعتهم المنقحة والمزيدة حديثاً، يقولون لنا في قرارة أنفسهم: “إن قيمنا العليا، ومُثلنا الرائجة، ومبادئنا الراسخة، لا تمت بصلة قربى لكم أيها الناس المحترمون، وإننا لا نأبه أبدا بالسمعة الطيبة مثلكم، أو الانشغال بالصورة الحسنة، فلا نحترم الحق في الحياة للغير، وفوق ذلك لا يهمنا تشخيصكم لنا بأننا إرهابيون متوحشون، أو فئة ضالة، أو غير ذلك من الأوصاف التي نعتز بها من دون مراء”.
فحال من يخطف رهينة في مدينة الطبقة أو دير الزور مثلا، كحال من يحتجز راكباً في حافلة في لندن، أو مقهى في باريس، يقول لنا بعظمة لسانه: “إنني لا أنتمي إلى حضارتكم، ولا أعترف بقيمكم. وإن رهاني كله على أنكم أكثر إنسانية مني، وأرفع منزلة من عالمي، ولهذا وحده فإنكم ستستجيبون لمطالبي، وستخضعون لابتزازي، طالما أن لحياتكم معنى، وليس لحياتي قيمة على الإطلاق”.
وعودة على بدء، فإن تأمين حياة الطيار الأسير هي محل الاهتمام الأول للدولة على أعلى المستويات، ولكل الأسر والفئات والأشخاص، بمن في ذلك من لم يوافقوا على أن الحرب على “داعش” هي حربنا. الأمر الذي يخط رسالة جماعية قوية، مفادها أننا متحدون خلف معاذ، ولا محل لأي تباين في الآراء والاجتهادات، إلى أن يفرج الله كرب الطيار، ونتنفس بعدها الصعداء.
تبقى ملاحظة جديرة بالاهتمام، وهي أن الولايات المتحدة، التي تقود التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش”، وتقوم بنحو 97 % من العمليات الجوية، لم تُظهر أدنى تضامن مع الأردن، حتى لا نقول إنها تخلت عنا في ساعة محنة شديدة، لاسيما أن الأخبار المتداولة تفيد أن واشنطن المأخوذة بجبروتها العسكري، تعترض على إجراء مفاوضات غير مباشرة لإنقاذ حياة معاذ، من منطلق أنها ترفض (كذا) تقديم أي تنازل للإرهاب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

دونالد-ترامب

مستقبل العلاقات العربية الأمريكية بعد فوز ترامب

عبد الرحمن صلاح الدين لم يكن صناع القرار في العالم العربي متهيئين ...