الرئيسية / مقالات / في ذكراها الرابعة . . خيبات “الثورة”

في ذكراها الرابعة . . خيبات “الثورة”

الرابط المختصر:

عبدالاله بلقزيز – الخليج الإماراتية

عبدالاله بلقزيز

مرت أعوام أربعة على سقوط النظام السياسي السابق في تونس، وعلى اندلاع ثورة 25 يناير في مصر (وقد أفضت هي الأخرى إلى سقوط نظام مبارك)، من دون أن تتبين النتائج المأمولة من الحدثين الكبيرين في البلدين، على النحو الذي انتظرته قطاعات عريضة من الشعب في تونس ومصر وفي غيرهما من الأمصار العربية: ما كان منها مسرحاً لانتفاضات رديفة، وما كان منها في حكم “المستقر” والعصي على الاحتجاج . إذا أضفنا إلى النهايتين غير السعيدتين ل “الثورة”، في تونس ومصر، النهايات الدراماتيكية القاتمة والمحزنة ل “الثورة” الليبية ونظيرتها في اليمن وسوريا، والسيرورة المتمادية من التفكيك الشامل الذي يتعرض له كيان المجتمع والدولة في هذه البلدان الثلاثة، اجتمعت الأسباب كافة للاعتقاد بأن ما حصدناه مما سمي ب “الربيع العربي” أسوأ، بما لا يقاس، مما حصدناه من نتائج في كل تاريخنا الحديث: الذي دشنه الاحتلال الاستعماري الأوروبي .
يسيطر هذا الشعور بالحبوط واليأس وانسداد الأفق في البيئات الاجتماعية التي انخرطت قواها في الحركات الاحتجاجية، ولدى القوى الحزبية والسياسية التي التحقت بالاحتجاج وركبت موجته، وهو أشد سيطرة في أوساط الشباب الذين قدموا، بصدق، التضحيات الغالية من أجل رؤية مجتمع جديد يتولد من أحشاء عملية التغيير، قبل أن يعاينوا كيف تتسرب “الثورة” من بين أصابعهم، ويختطفها منهم من اختطفها آخذاً إياها إلى اتجاهات أخرى غير التي ابتغاها صناعها من غير المنتمين إلى حزبيات، وقد يكون الشعور هذا صادقاً وطبيعياً في مكان، لكنه قد يكون مستغرباً في مكان آخر، فبقدر ما يتفهمه المرء، قد يتعسر عليه – في الوقت عينه – أن يفهمه . والسؤال الأكثر بداهة، في هذا الباب، هو: ما الذي كان يمكن انتظاره من “ثورات” لم يتهيأ لها من الأسباب إلا الأسباب الموضوعية، فيما أسبابها الذاتية (أي نضج الشروط الذاتية وتوفر الأدوات والرؤية والقيادة والبرنامج البديل) كانت في حكم الغائبة؟ ينبغي، إذاً، فحص شعور الحسرة والخيبة في ضوء هذه الحقيقة التحتية: حقيقة الفجوة بين إرادة التغيير و(بين) إمكانه الذاتي، وهذه هي المسألة الأساس التي تستحق البحث في هذا المعرض . ولكن لا بأس من التمييز العادل بين مشروعية هذا الشعور، الذي ينتاب الشباب من رؤيتهم مآلات حركتهم، و(بين) شعور آخر محبط يقيس ما جرى من إخفاق بمقياس محض ذاتي: بمقياس المصلحة الذاتية (الحزبية أو الفئوية) لا بمقياس المصلحة العامة!
حيث وصل إلى السلطة في تونس ومصر من وصل إليها بعد سقوط النظامين، لم يكن أحد من الجمهور السياسي والإعلامي لهؤلاء يتحدث عن فشل “الثورة”، أو عن إجهاضها، كان يقال – بالعكس – إنها نجحت وبلغت مبتغاها، والدليل على ذلك (هو) وجودهم في السلطة! كانت فضائيتهم، المعلومة لدى الجميع، تزغرد وتهزج كل يوم، مبشرة العرب والمسلمين بعهد جديد، قبل أن تبدأ في نواحها مالئة الدنيا بالشتائم المنكرة لمن أزاحوا جماعتها عن السدة . أما فشل هؤلاء في إدارة الدولة، وتعريضهم أمنها وأمن المجتمع للانهيار، وإقصاؤهم الشركاء واستبدادهم بالحكم، وتحديهم القطاعات الأعرض من الشعب، فلم يكونوا يحسبونها فشلاً وإفشالاً ل “الثورة”، ولا فضيحة سياسية تبز فضائح النظام السابق . من الثابت، إذاً، أن شعور الحسرة الذي داخلهم لم يكن صادقاً صدقه عند الشباب، أو لنقل إنه كان شعوراً بالحسرة على السلطة التي ضاعت لا على “الثورة” التي فشلت . لندع هؤلاء جانباً، ولنعد إلى موضوع فشل “الثورة” . من المسلم به، لدينا على الأقل، أن تسمية ما جرى قبل أعوام أربعة بالثورة إنما هي من قبيل المجاز، لأن الثورة – مثلما كتبنا في هذا المنبر قبل ثلاث سنوات ونصف السنة – ليست إسقاطاً لنظام سياسي فحسب، بل تغيير شامل للبنى الاجتماعية والاقتصادية وإقامة أخرى بديل منها، وهو ما لم يحصل ليجوز معه تسمية ما حدث ب “الثورة” . إنها، في أحسن أحوال الإنصاف في التعيين، تغيير نظام بنظام يقوم على الأسس الاجتماعية والاقتصادية عينها . وفي ظني أن الذين انتفضوا في تونس ومصر وسواهما لم ينتفضوا من أجل تغيير زيد بعمرو، وإنما من أجل العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، وهما الهدفان الأبعد من انشغالات من أتوا يتسلمون السلطة بعد رحيل ابن علي ومبارك عنها بقوة الضغط الشعبي ومؤازرة الجيش .
الأهم من دحض فرضية الثورة أن نسائل شعور الحبوط واليأس عما يبرره . لن نقول، هنا، إن ما حصل ليس ثورة، وبالتالي، لا مبرر للبكاء على فشلها، وإنما نقول: ماذا أعدت قوى تلك “الثورة” من أسباب للسيطرة على فعل الثورة، لحمايتها من السرقة والتزوير، لإفراغها من محتواها الثوري؟ لقد اختطفت “الثورة” من قبل قوى منظمة ذات مشروع سياسي، لأن الذين نزلوا إلى الشوارع والميادين والساحات وأسقطوا الأنظمة لم يكونوا منظمين: لا مشروع سياسياً جامعاً لديهم، ولا قيادة توجيهية تقودهم، ولا عقل موحداً يدير حركتهم . وحين انتبهوا إلى الثغرة التنظيمية – متأخرين – فانتظموا وائتلفوا، وجدوا أنفسهم يتوزعون على عشرات الكيانات! كان شرط الثورة الذاتي غائباً، فجاء من يملأ الفراغ التنظيمي والسياسي!
من الطبيعي، إذاً، أن تتبدد تضحياتهم، فتنتهي الأمور إلى ما انتهت إليه من مآلات ولّدت في أنفسهم مشاعر الحسرة والخيبة . . وما أصعبها! من حسن حظ شباب تونس ومصر أنهم لم يدمروا وطنيهما كما دمر آخرون أوطانهم بعد أن امتنع عليهم النجاح في ما نجح فيه أبناء مصر وتونس .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ميشيل كيلو يكتب: بريجنسكي وسد الثقب الأسود

ميشيل كيلو في كتابٍ من الضروري أن يقرأه كل مهتم عربي بالسياسات ...