الرئيسية / مقالات / «داعش» كحليف وظيفي لـ «الشمولية الكردية»

«داعش» كحليف وظيفي لـ «الشمولية الكردية»

الرابط المختصر:

رستم محمود – الحياة اللندنية

منذ أكثر من عام، لم يخل أي من البيانات والتقارير التي أصدرها مختلف أحزاب وأطراف الحركة القومية الكردية، من الإشارة إلى تنظيم «داعش» الإرهابي، والمواجهة الاستثنائية التي يحياها الكرد ضد هذا التنظيم الفظيع. في كل واحد من هذه البــيانات، ثمة مقدمة خطابية تقريرية عالية النبرة والشحنة، تشغل أحياناً النصف الأول من المنشور، تنادي كلها باحترام الاستثنائية والخصوصية والمصيرية التي يعيشها الكرد راهناً، مطالبة باستبعاد أي انشغال آخر.

لا استثناء في ذلك، أياً كانت طبيعة البيان الصادر، سواء تهنئة بمناسبة ما أو تعزية بفقيد، تعبيراً عن موقف سياسي أو رداً لاتهامات بالفساد، إعلاناً لوضع تنظيمي أو زيارة بروتوكولية أو حتى عرضاً لنتائج حدث رياضي أو مسابقة ثقافية أو رداً لـ «شبهات» بالهيمنة والاستبداد بالمجتمعات الكردية المحلية! فالرد على «داعش» يشغل مساحة كبيرة في كل شيء.

بوضوح يُلاحظ حجم «الاستخدام التوظيفي» ل«داعش» من قبل كامل الطيف السياسي الكردي، ففي هذا الاستخدام اللغوي الخطابي مؤشر رمزي لرغبة عميقة من قبل هذا الطيف للتغطية على عديد الملفات «الداخلية» العالقة بين هذه التنظيمات السياسية الكردية والمجتمعات المحلية الكردية. وهي ملفات تتطابق في كثير من عناوينها ومضامينها مع تجارب شعوب المنطقة كافة مع أحزابها المهيمنة وأنظمتها الحاكمة.

تلك الإشكالات التي تبدأ مثلا بطبيعة الأيديولوجية والسلوك السياسي الحاد الذي يستخدمه حزب العمال الكردستاني، بمختلف تفرعاته وتنظيماته، مع الكثير من المجتمعات الكردية التي يريد احتكار تمثيلها السياسي، ولا ينتهي بطبيعة «حُكم العائلة» التي يتبناها الحزب الديموقراطي الكردستاني، ويمر بحالة الفساد والتحاصص والانقسام الداخلي التي تعصف بالاتحاد الوطني الكردستاني، والتي وصلت الى درجة تدخل أجهزة الأمن الإيرانية لمصالحة الأطراف المتخاصمة ضمن الحزب الواحد! وطبعا بفساد الأحزاب الكردية السورية وترهل نظيرتها الكردية الإيرانية.

مع بدء استخدام «محاربة «داعش»» وبكل بساطة وسلاسة، هُمشت كل تلك الملفات، وضمر كل تداول عام حولها. فقد بات الفرع السوري للعمال الكردستاني يسيطر بشكل مطلق على كامل المجتمع الكردي السوري، وهو الذي لم تكن شعبيته النسبية تتجاوز الأحياء والطبقات الأكثر فقراً وهامشية في التركيبة الاجتماعية الكردية السورية. لقد باتت نبــرة هذا الـــفرع تجاه المجـتمع الكردي الســـوري وبقية أحزابه السياسية وتنظيماته المدنية، أكثر حدة وأقسى تعاملاً، فالكل حسبُه يمكن أن يكون «عميلاً» ل«داعش»!.

على مستوى رديف، خَفَتَ كل نقاش حقيقي في كردستان العراق حول دستورية التمديد البرلماني لرئيس الإقليم مسعود البارزاني، وهو الذي سبق أن أنهى ولايتيه الرئاسيتين بحيث انتفى كل حق له بالحُكم مجدداً. كما أن تداولاً موازياً كانت قد فتحته حركة كوران المعارضة، وقد تعرض للمصادرة والتكتم، مداره تعيين النجل الأكبر للبارزاني، مسرور، مستشاراً لمجلس الأمن الوطني الكردستاني، الذي يعتبر أكبر مؤسسة أمنية في الإقليم.

وطبعا طويت الانقسامات البينية التي كانت تعصف بحزب الاتحاد الوطني الكردستاني، وحقق هذا الحزب الكردي المسلح، في انتخابات البرلمان المركزي العراقي في أيار (مايو) 2014، أضعاف ما حققه في مواجهة منافسه المدني «حركة التغيير كوران» في الانتخابات البرلمانية المحلية، التي أجريت قبل شهور قليلة على هذه الانتخابات المركزية. ووصل الحال إلى أن يقود القيادي في الاتحاد، محمود سنكاوي، جبهات القتال في مواجهة «داعش»، وأن يغدو «بطلاً قومياً» في إعلام الاتحاد الوطني، وهو الذي كان، قبل أشهر قليلة، قد استُدعي مراتٍ الى النيابة العامة في مدينة كلار، لمساءلته عن اغتيال الصحافي الكردي كاوا كرمياني!

حزب العمال الكردستاني بدوره ربط ربطاً محكماً بين محاربة «داعش» وصراعه مع الحكومة التركية، من خلال إقامة تماهٍ متخيل بين حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم وهذا التنظيم الإرهابي، وبذلك أنشأ مزيداً من الروابط بينه وبين الغرب، وكذلك مع النُخب الكردية/ التركية التي كانت ترفض من قبل كل سلوكيات ذاك الحزب ونهجه.

مجموع حضور «داعش» وطريقة استخدامه الوظيفي الكثيف من قبل «الشمولية الكردية» أدى لاسترجاع بضع ديناميات احتكارية «رجعية»، كان يُظن أن المجتمع السياسي الكردي العام قد تجاوزها. وهذه الديناميات لا تخدم سوى هيمنة «الشمولية الكردية» على المجتمع الكردي بشكل مطلق.

فقد عاد المحاربون على حساب المدنيين، حيث لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، وانشغل الوعي المجتمعي بالسياسية فحسب، وبالذات بملف «الصراع مع الأعداء»، بعدما كان النقاش المجتمعي/ الثقافي/ الاقتصادي قد أحرز مكانة حيوية ومتقدمة في مختلف المجتمعات الكردية. وأخيراً، هيمن خطاب «قوموي» بدائي وجاف، على حساب نظرائه من خطابات الهويات الغنية، الطبقية والثقافية والجهوية والعلمية، المركّبة والمتنوعة والمرهفة.

كغيرهم من مجتمعات المنطقة، كان الكرد خلال السنوات الأخيرة يسعون بخطوات حثيثة ليتحولوا إلى «شعب» متخم بطيف مجتمعي متنوع وملوّن وغني، ثم جاء الاستخدام الوظيفي للصراع مع «داعش» من قبل «الشمولية الكردية»، ليجر الشعب نفسه الى الوراء، بحيث يغدو مجرد «كتلة من المحاربين»، وهذا لغايات في نفس يعقوب، ويعقوب أكثر من أن يُحصى.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

دونالد-ترامب

مستقبل العلاقات العربية الأمريكية بعد فوز ترامب

عبد الرحمن صلاح الدين لم يكن صناع القرار في العالم العربي متهيئين ...