الرئيسية / مقالات / إسرائيل والهروب إلى الأمام!

إسرائيل والهروب إلى الأمام!

الرابط المختصر:

وحيد عبد المجيد – الاتحاد الإماراتية

وحيد عبد المجيد

كثيرة هي الأزمات الداخلية والخارجية التي واجهت إسرائيل منذ إنشائها. غير أن جديد أزمتها الراهنة يعود إلى حجمها ونوعها في آن معاً. فهي الأكبر على الإطلاق منذ 1948. كما أن الارتباط بين بعديها الخارجي والداخلي بلغ مستوى لا سابق له في كل أزماتها.

فثمة ارتباط وثيق بين التآكل البطيء في شرعية إسرائيل الدولية، والتراجع السريع في أداء نظامها السياسي وقدرته على توليد خيارات وبدائل.

ولم يعد الغرب، الذي لعب دوراً مباشراً في إنشاء إسرائيل منذ 1917 (وعد بلفور) ثم في دعمها منذ 1948، يراها «ضحية» رفض عربي و«جزيرة متقدمة» مستهدفة في وجودها. ولم يكن تأييد برلمانات أوروبية عدة قيام دولة فلسطينية خلال العام الماضي إلا جزءاً من عملية تحول بطيء ولكنه متواصل في نظرة الغرب إلى إسرائيل.

ويرتبط هذا التحول بقلق متزايد من تنامي النزعة اليمينية، الأكثر تطرفاً في إسرائيل. لا يجد الغرب الآن ما كان في إسرائيل من تنوع سياسي وفكري وتعدد حزبي خلق توازناً في نظامها مكَّنه من التعامل مع أزمات سابقة بفاعلية أكبر ومرونة أكثر.

لم يهيمن على إسرائيل منذ إنشائها صوت واحد متطرف بدرجات متفاوتة إلا في السنوات الأخيرة. وتبلغ هذه الهيمنة ذروة جديدة اليوم، في الوقت الذي تتجه إسرائيل إلى انتخابات مبكرة في 17 مارس المقبل، أي قبل أكثر من عام ونصف عام على موعدها الذي كان مقرراً في أواخر 2017.

وجاء قرار حل الكنيست التاسع عشر لإجراء هذه الانتخابات في أجواء تسودها المزاودة على التطرف، حيث يتركز التنافس بين تيارين أحدهما أكثر تطرفاً بقيادة حزب «ليكود» وحزب «البيت اليهودي»، وثانيهما أقل تطرفاً يصف نفسه بأنه وسطي، ولكنه لا يختلف عن منافسه الرئيسي إلا في درجة تشدده.

وحين تُجرى الانتخابات في ظل أزمة هي الأكبر حجماً ونوعاً في تاريخ إسرائيل، ربما تصبح نوعاً من الهروب من هذه الأزمة، أو ما يُطلق عليه مجازاً «هروب إلى الأمام».

فالمسافة بين التيارين الرئيسيين فيها أقصر من أن تجعلهما مختلفين نوعياً، علماً بأن اثنين من مكونات التيار الذي ينافس نتنياهو كانا ضمن حلفائه حتى وقت قريب (حزبا «يوجد مستقبل» و«الحركة المستقلة»). أما حزب «العمل» فقد ضاعت هويته التاريخية في السباق على رأي عام يزداد انعطافاً إلى اليمين كل يوم في السنوات الأخيرة. ولذلك لا يبدو أن لهذه الانتخابات وظيفة إلا تشكيل ائتلاف حكومي أشد تطرفاً.

وهذا هو ما يسعى إليه نتنياهو بناء على حسابات توافرت لديه، وقرر بموجبها التوجه إلى انتخابات مبكرة. وتفيد هذه الحسابات أن تحالف نتنياهو (ليكود و«البيت اليهودي») يستطيع قيادة الحكومة القادمة عبر ائتلاف جديد.

ويبدو أن لحسابات نتنياهو هذه أساساً قوياً حتى الآن على رغم أن نتائج بعض استطلاعات الرأي العام لا تدعمها. كما يملك نتنياهو أوراقاً سيستطيع تحويلها إلى بطاقات اقتراع لمصلحته. وقد بدأ في استخدام بعضها عبر غارتي القنيطرة التي أعلنت حكومته عنها بشكل فوري، بخلاف عمليات سابقة. ولكي لا تفقد هذه الورقة تأثيرها الذي يريده، أو تؤدي إلى نتيجة عكسية، فهو يلعبها بحساب، كما يتضح من سلوكه تجاه رد «حزب الله» في «مزارع شبعا» على عمليتي القنيطرة.

وسيكون خطاب نتنياهو أمام الكونجرس قبل ثلاثة أسابيع فقط من الانتخابات ورقة انتخابية أخرى، وخاصة في ظل قدراته الخطابية التي يجيد استخدامها.

ولذلك ليس متوقعاً، في ظل هذه المعطيات، أن يتمكن التكتل المنافس لنتنياهو من بلورة صيغة تتيح له قيادة ائتلاف يتسع لليمين الأقل تطرفاً والتكتل الديني المتزمت. وليس في إمكانه أيضاً أن يتحالف مع الحركات الناشطة في أوساط عرب 1948. فقد صار صعباً ضم هذه الحركات إلى أي ائتلاف في ظل المد اليميني المهول، حتى إذا زادت حصتها فى الكنيست القادم عبر تكتلها في قائمة انتخابية واحدة.

ولذلك، فالأرجح أن يتمكن نتنياهو من تحقيق هدفه الأساسي وهو توجيه رسالة إلى الغرب تفيد أنه الرجل الأقوى، وأن على الجميع التكيف مع المد اليميني الذي يزداد تطرفاً في إسرائيل. ولكنه لا يفعل، والحال هكذا، سوى محاولة الهرب من أزمة ستبقى في مواجهته بعد الانتخابات.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عبد القادر عبد اللي

عبد القادر عبد اللي يكتب: شرارة قصف القوات التركية تتوهج

عبد القادر عبد اللي بيان هيئة أركان القوات المسلحة التركية، حول هوية ...