الرئيسية / مقالات / تساؤلات ما بعد “منتدى موسكو للحوار”

تساؤلات ما بعد “منتدى موسكو للحوار”

الرابط المختصر:

د. محمد السعيد ادريس – الخليج الإماراتية

محمد السعيد ادريس

لعل أهم سؤال يجب أن يشغل كل أطراف الأزمة السورية: النظام والمعارضة والأطراف الداعمة الآن، وبعد اختتام لقاء موسكو التفاوضي هو: وماذا بعد هذا اللقاء؟ النظام السوري الذي تحاور للمرة الأولى مع أطياف واسعة من معارضة الخارج والداخل للمرة الأولى منذ المحادثات التي انقطعت في فبراير/شباط ،2014 مطالب أمام نفسه، قبل أي أطراف أخرى، أن يراجع مواقفه، وأن يقرأ معادلة توازن القوى السياسي قبل العسكري على أرض الواقع في سوريا وجوارها الإقليمي بكل أحداثه، وأن يحرص على التقاط طرف خيط حتى ولو كان هزيلاً من المحادثات التي أجراها مع من تحاور معهم من المعارضين في لقاء موسكو الذي رعته الخارجية الروسية وبإدارة فيتالي ناومكين رئيس “معهد الاستشراق” الروسي .
مطلوب من النظام بعد كل ما حدث في سوريا ولسوريا من دمار وقتل وتهجير قسري أن يلتقط “خيط نجاة” لسوريا ولو لمرة واحدة، لأن بقاء سوريا هو الخيار الوحيد الذي يمكن أن يبقى وأن يحفظ للنظام بعض ما يأمله، أما أن يبقى أسير البحث عن نجاته هو فإنه سوف يتسبب في افتقاد كل سبل هذه النجاة إذا ما ضاعت سوريا وخضعت أسيرة للمشاريع الإرهابية سواء كان مشروع “داعش” أو “جبهة النصرة” .
والمعارضة السورية المفككة والمتداعية القوة والنفوذ والمكانة على أرض الواقع مطالبة هي الأخرى بمراجعة مشاريعها وأجنداتها فهي لم تعد الرقم الصعب على أرض الواقع، ليست هي القادرة على فرض مشروعها السياسي إذا ما قارنت وزنها العسكري الفعلي على أرض الواقع مقارنة بكل من “داعش” و”النصرة” والمنظمات التكفيرية الأخرى .
فإذا أخذنا في الاعتبار أن سوريا أضحت بين احتمالين: أن تبقى موحدة، وهذا احتمال يفترض هزيمة ودحر الإرهاب، أو أن تقسم أو تذوب ضمن مشروع “داعش” أو “النصرة”، وهذا يفترض سقوط كامل للنظام واندحار كامل للمعارضة .
أما الأطراف الداعمة، سواء كانت الداعمة للنظام (روسيا وإيران وحزب الله) أو كانت الداعمة للمعارضة (دول عربية وتركيا والولايات المتحدة ودول أوروبية)، فهي الأخرى مطالبة بإعادة مراجعة مشروعاتها في سوريا وما انتهت إليه هذه المشروعات، فالذين دعموا النظام السوري خذلهم النظام بعجزه رغم كل ما حصل وما يحصل عليه من دعم ومساندة عسكرية ومادية وسياسية وإعلامية – عن هزيمة المعارضة التي بادرت بمحاربته . والذين دعموا تلك المعارضة صدموا بضعف وعجز وتفكك هذه المعارضة، والكل بات اليوم أمام حقيقة عارية ومكشوفة، هذه الحقيقة تقول إن “الكل خرجوا خاسرين أما طرف الصراع الجديد وهو الإرهاب التكفيري” . فالذين يقاتلون الآن، ويستولون على المدن والقرى والمؤسسات الاقتصادية والمرافق هم الإرهابيون التكفيريون، واستمرار الأوضاع على ما هي عليه سوف تفرض الهزيمة على الجميع لأنها سوف تنتهي بالدمار الكامل لسوريا التي قد لا يبقى منها إلا مجرد “بقايا أو أطلال دولة” .
إذا كان الأمر كذلك فهل وصلت رسالة “مؤتمر موسكو التشاوري” إلى كل هذه الأطراف؟ الإجابة ليس بعد . .
فالنظام ذهب إلى موسكو ليجدد فرض شروطه وليتحدث عن المعارضين باعتبارهم، “مارقين” في أفضل توصيف . النظام حرص على أن يفرض شروطه وخطابه السياسي، أما المعارضة فقد انقسمت على نفسها في قرار حضور مؤتمر موسكو حول مشروعها المرتكز على مطلب إسقاط النظام وبالتحديد إنهاء كل دور للرئيس الأسد، والتمسك بصيغة “جنيف -1” ومطلب فرض “عملية انتقالية” تنهي كل دور .
واضح أن الأطراف العربية والإقليمية مازالت متمسكة بمشاريعها، لكن التغيير الوحيد كان في مواقف الأطراف الدولية وبالذات الولايات المتحدة وإلى حد ما روسيا .
فالمحادثات التي بدأت يوم 26 يناير الماضي في موسكو وامتدت إلى يوم 27 من الشهر نفسه بين فصائل المعارضة ثم تحولت إلى محادثات بين المعارضة (32 مشاركاً) ووفد النظام على مدى يومين كشفت عن تمسك النظام بمواقفه وحرصه على مقررات مؤتمر “جنيف -1” استناداً إلى حقائق الواقع العملي على الأرض وظهور متغيرات جديدة أبرزها بالطبع اضمحلال “الجيش السوري الحر” وانخراط الكيان الصهيوني في الصراع، وظهور أطراف أخرى معارضة منافسة “داعش والنصرة” . أما المعارضة التي شاركت فقد حملت مسودة ورقة تفاهم تضمنت ديباجة وعشر نقاط تدور بين الاعتبارات السياسية ومقترحات استعادة الثقة .
تضمنت تلك الديباجة ثلاث نقاط تؤكد أولاً أولوية الحل السياسي على أساس بيان جنيف ومبادئه، وثانياً اعتبار جميع السوريين المؤمنين بالحل السياسي شركاء في الحوار السوري – السوري، وثالثاً ترتيب المطالب ذات الأولوية في حزمة واحدة تضم الانتقال إلى دولة مدنية ديمقراطية على أساس مبدأ المواطنة، وضمان المساواة بين السوريين وبين الجنسين، وضمان حقوق المكونات القومية والعرقية للشعب السوري، أما النقاط العشر فتضمنت دعوة إلى وقف عمليات القصف العشوائي، وإطلاق سراح المعتقلين وتحرير المخطوفين والأسرى، وإدخال الدواء والغذاء إلى المناطق كافة، وتشكيل هيئة حقوق إنسان سورية يحق لها التدخل المباشر في أي قضية انتهاك لحقوق الإنسان، وكسر احتكار النظام للإعلام، وحصر السلاح في يد الدولة السورية مستقبلاً .
هذه المطالب البعيدة عن جوهر الصراع السياسي ومطلب إسقاط النظام تكشف عن إدراك مهم بين جانب المعارضة وبالذات فصيل هيئة التنسيق السورية المعارضة الذي شارك بفعالية في حوارات القاهرة التي سبقت انعقاد “منتدى موسكو التشاوري” وأشرف عليها المجلس المصري للشؤون الخارجية، مفاده الحرص على تحقيق اختراق مهم يستعيد أولوية الحل السياسي والحرص على وحدة سوريا وتكثيف جهود الحرب على الإرهاب مع إعطاء أولوية قصوى لإعادة بناء النظام على قاعدة الدولة المدنية الديمقراطية ومبدأ المواطنة .
هذه الرؤى يبدو أنها مازالت مرفوضة من معظم فصائل المعارضة التي لم تشارك في حوار موسكو، كما أنها غير مدعومة بوضوح من النظام الذي لم يقدم أي بادرة حسن نية لدعم الثقة .
بهذا المعنى نستطيع أن نقول أن محادثات موسكو حققت الحد الأدنى من التوافق الذي ينحصر في قبول الجلوس المشترك بين النظام والمعارضة من الخارج والداخل، كما أنها حققت لموسكو أيضاً الحد الأدنى من الإنجاز، فهي على الأقل أثبتت أنها مازالت لها وجودها ولها حضورها في ظل التقارب الإيراني – الأمريكي المتصاعد من ناحية وأن الأزمة السورية مازالت موجودة ولها وزنها وخطورتها رغم استحواذ الحرب ضد “داعش” في العراق على معظم أولوية الاهتمامات الأمريكية .
فبيان وزارة الخارجية الروسية أكد أن: موسكو ستكون مستعدة للاستمرار في الإسهام بكل الوسائل في الاتصالات السورية .
هذا الموقف الروسي يتقاطع مع تحول مهم ومحوري في الموقف الأمريكي من الأزمة السورية يعطي الأولوية أيضاً لمحاربة تنظيم “داعش” بدلاَ من التركيز على رحيل الرئيس الأسد حسب ما نقلت صحيفة “نيويورك تايمز” (2512015) وحسب ما جاء على لسان جون كيري وزير الخارجية الأمريكي (1312015) من تأييد للمساعي التي تقودها روسيا لإجراء محادثات جيدة لإنهاء الصراع في سوريا .
فقد ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” أنه يبدو أن الإدارة الأمريكية أصبحت تتعايش مع فكرة “بقاء الأسد في الحكم”، موضحة أن وزير الخارجية كيري الذي كان يتمسك بمقولة إن “الحرب ستتواصل إذا بقي الرئيس الأسد في الحكم” قال مؤخراً إن “على الأسد تغيير سياساته من دون تكرار الدعوة لتنحيه” .
وفق هذا التحول ترى الصحيفة الأمريكية أن “الخطر الآن لم يعد الأسد بل “داعش” مشيرة إلى مستخلص دراسة مهمة لمؤسسة “راند” البحثية الأمريكية قالت فيه إن “انهيار نظام الأسد سيمثل أسوأ سيناريو للمصالح الأمريكية، حيث إن هذا الأمر سيؤدي إلى حرمان سوريا مما تبقى من مؤسسات الدولة ويؤدي إلى تمدد “داعش” والمتشددين الآخرين” .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مهند الحاج علي

مهند الحاج علي يكتب: ماذا بعد ”انتصار“ حلب؟

مهند الحاج علي معركة حلب ليست محطة عادية في سير العمليات العسكرية ...