الرئيسية / مقالات / سوريا.. بعيداً من البراميل!

سوريا.. بعيداً من البراميل!

الرابط المختصر:

د. رياض نعسان آغا – الاتحاد الإماراتية

رياض نعسان آغا

لم يكن في حسبان السوريين أن تتحول بلادهم ساحة حروب دولية ضد الإرهاب، وأن يتوقع قادة العالم استمرارها عشر سنين، وأن تصبح قضيتهم الأساسية ثانوية يقتصر الاهتمام الدولي بها على معالجات تشبه إعطاء مسكّنات وهمية لمريض بالسرطان.

أما مبادرة دي مستورا فقد رآها السوريون مضيعة للوقت وتجميداً للقضية، وكذلك جاء مؤتمر موسكو منخفض السقف، وقد رآه كثير من السوريين محاولة لإعادة تأهيل النظام ومنحه فرصة إعلان انتصاره. ومع أن بعض المعارضين، ذهبوا بمطالب لا تتجاوز بيان جنيف إلا أنهم واجهوا صلفاً وتعنتاً واستعلاء جعلهم يتأكدون من أن روسيا غير قادرة على اتخاذ موقف ينهي الصراع. وبدا واضحاً من مسار الحوارات أن الحل السياسي بعيد عن الواقع ولاسيما مع اختلال موازين القوى، ومع إصرار النظام على الانتصار وسحق المعارضة حتى لو عنى ذلك تدمير ما تبقى من سوريا، ولم يقدم النظام بادرة تواكب سعيه النظري إلى الحل السياسي كإطلاق المعتقلين، في حين عقدت المعارضة مؤتمرها الأخير في القاهرة قبل أيام من مؤتمر موسكو لتؤكد أنها ملتزمة الحل السياسي وفق رؤية بيان جنيف الذي بات وثيقة دولية ينبغي أن تكون ملزمة لمن صاغها. ولكن الدول الكبرى أهملت بيان جنيف واكتفت باهتمام وجداني بالجانب الإنساني ولاسيما حين ساهم الشتاء الحالي بعواصفه الصاعقة بزيادة فواجع السوريين في المخيمات وأماكن اللجوء والتشرد. ولست أقلل من أهمية الجانب الإنساني، ولكن علاج القضية يجب ألا يقتصر على التبرع بألبسة وأغطية ومدافئ، وإنما بعلاج أسباب الفاجعة السورية، وبالبحث الجاد عن حل إجرائي إن لم يكن حلاً نهائياً، يتيح عودة اللاجئين المشردين إلى بلادهم بضمانات تكفل لهم الأمان، حيث يُقال إن عدد المطلوبين منهم للأجهزة الأمنية بات يعد بالملايين، فضلاً عن كون ما ينشر في الإنترنت من صور التعذيب في المعتقلات يضاعف خوف المطلوبين من العودة. وكان حرياً بمجلس الأمن أن يفرض مناطق آمنة داخل سوريا لا تطالها براميل الموت، وأن تُقام فيها تجمعات سكنية مؤقتة لمن دمرت بيوتهم وقراهم، وتفتتح فيها مدارس ومستشفيات، وهذه المناطق الآمنة إن أقيمت ستخفف عن لبنان والأردن وتركيا أعباء كبيرة بدأت تنوء بحملها. كما أنها ستوقف تدفق الهجرة إلى أوروبا وسواها من مناطق العالم، حيث تفقد سوريا خيرة كوادرها التنموية وجل الكفاءات وهؤلاء عدة مستقبلها، وكثير منهم تقنيون ومبدعون، وهم الذين يؤمل السوريون بقدرتهم على إعادة الإعمار. ويبدو مفجعاً للسوريين أن تصير الحرب على الإرهاب هي القضية الوحيدة التي يهتم بها العالم متجاهلاً الأسباب التي جعلت سوريا ساحة فوضى مدمرة، ولابد لمعالجة الإرهاب من سد الذرائع، التي تسهم في تشكيل حواضن له، فكثير من الشباب ممن سُدت في وجوههم آفاق الحياة، باتوا مضطرين للبحث عن حماية وعن أبسط متطلبات العيش، وبعضهم قد لا يجد أمامه سوى الالتحاق بتنظيمات إرهابية كانت أو شيطانية، وهي تستغل حاجة الناس إلى الحماية والرعاية.

إن إقامة مناطق آمنة في الشمال السوري وفي الجنوب أيضاً بضمانات دولية ستقدم حلولاً سريعة للقضية السورية، وستشكل ضغطاً على روسيا وإيران و«حزب الله» يجعلهم مضطرين لدفع النظام إلى القبول بالحلول السياسية التي رسمها بيان جنيف نفسه.

إنني أناشد دول العالم أن تتجه إلى معالجة جادة للقضية السورية ترتقي فوق مبادرة المبعوث الدولي لعلاج شكلي في حلب، وتحافظ على ما تبقى من بنى الدولة وعلى حق الشعب، الذي لم يرحل في الأمان، وعلى حق العودة الآمنة للسوريين الذين تشردوا. ومن المؤكد أن الحرب على الإرهاب ستشهد تصعيداً كبيراً خلال الفترة المقبلة، ولن يتحقق أي نصر إن لم تعالج الأسباب التي جعلت سوريا أرض دمار وخراب، فحين يحقق الشعب حريته لن تجد قوى الإرهاب ملجأ أو ملاذاً في سوريا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حازم صاغية

حازم صاغية يكتب: عرس بشّار وموت حلب

حازم صاغية يتكاثر المولعون ببشّار الأسد، أو أقلّه مَن «يفضّلونه على خصومه»، ...