الرئيسية / قضايا و آراء / تعميم العسكرة والقتل في سوريا

تعميم العسكرة والقتل في سوريا

العسكرة سوريا
الرابط المختصر:

مدار اليوم – فايز سارة

عاشت سوريا في الشهرين الأخيرين مستوى من تصعيد القتل، لم تشهده من قبل. وباستثناء عمليات النظام المستمرة والمتصاعدة ضد مدن وقرى سوريا في الأنحاء المختلفة عبر قصف الطيران بالبراميل المتفجرة والصواريخ والدبابات والاشتباكات المباشرة، فإن صدامات بين «داعش» وقوات الحماية الكردية في محيط مدينة عين العرب – كوباني في الشمال ما زالت مستمرة، وكان الأكثر جدة، اشتباكات دموية، شهدتها المناطق الخارجة عن سيطرة نظام الأسد في ريف إدلب وفي ريف دمشق، حيث وقعت في الأولى اشتباكات بين «حركة حزم» وجبهة النصرة، ثم بين «حزم» و«أحرار الشام»، فيما شهدت غوطة دمشق اشتباكات بين «جيش الإسلام» و«جيش الأمة» أولا، ثم اشتباكات بين «النصرة» و«الاتحاد الإسلامي لأجناد الشام».
لقد توج تعميم القتل مؤخرا، بهجمات صاروخية قام بها «جيش الإسلام» على مدينة دمشق تحت حجة الهجوم على مواقع النظام نتيجة استمرار الأخير في عمليات القصف على الغوطة، وهو أمر اتخذه النظام مبررا في تصعيد عمليات التدمير الدموية، ليس على الغوطة فقط، بل في كل محيط دمشق، الأمر الذي أوقع في أسبوع مئات من السوريين، وجرح آلافا غيرهم أغلبهم من المدنيين ولا سيما النساء والأطفال.
ولم تكن عمليات القصف والاشتباك وحيدة في ظاهرة تعميم القتل السوري، بل ترافقت العمليات مع تعميم عمليات الاغتيال، التي لم تقتصر على نشاط القناصة في عشرات المواقع، إنما امتدت لتشمل عمليات اغتيال والاختطاف التي تأخذ أصحابها إلى مصائر غامضة، وهذا ما حدث في أرياف اللاذقية وإدلب وحلب وفي القلمون وصولا إلى غوطة دمشق وحوران، حيث سقط مئات من السوريين في الفترة الأخيرة في عمليات غادرة، لم تقم بها جهات محسوبة على نظام الأسد وقوى الإرهاب والتطرف فقط، بل قوى تصنف نفسها في عداد التشكيلات المسلحة للمعارضة السورية.
الأهم في ظاهرة تعميم القتل في سوريا، هو المعاناة المتزايدة للسوريين، التي أوصلتهم إلى عمق الكارثة الإنسانية من خلال ما أصابهم من قتل وجرح وتهجير وتدمير لقدراتهم وبلدهم على أيدي القوى والتشكيلات المسلحة، التي باتت تسيطر تقريبا على كل المناطق السورية مدنا وقرى ومزارع، والموزعة على محاور. أولها محور قوى النظام المنتشرة في عدة محافظات بينها اللاذقية وطرطوس إضافة إلى المنطقة الوسطى ودمشق، ويشكل جيش الأسد القوة الرئيسية فيه وأبرز أدواته سلاح الطيران والمستخدم على نحو واسع في عمليات القتل عبر البراميل المتفجرة والصواريخ، ويضم هذا المحور قوات الدفاع الوطني وجماعات الشبيحة والميليشيات الوافدة ومنها «حزب الله» اللبناني والميليشيات العراقية.
ويضم المحور الثاني، جماعات التطرف والإرهاب، التي تشكل «داعش» وجبهة النصرة قوته الرئيسية، وهي حاضرة بصورة أساسية في المناطق الشمالية والشرقية، حيث ينتشر «داعش» في دير الزور والرقة وأجزاء من الحسكة وريف حلب الشرقي وله خلايا نائمة في أنحاء مختلفة، فيما توجد قوات «النصرة» في ريف حلب الغربي وفي ريف إدلب، وريف دمشق وفي أنحاء من الجنوب بينها درعا والقنيطرة.
والمحور الثالث، قوى وسطية، تقف ما بين قوى النظام وقوى التطرف والإرهاب وما بقي من الجيش الحر، وذلك بالاستناد إلى رؤى آيديولوجية وسياسية، تخص كل واحدة من قوى هذا المحور الذي يشمل قوات الحماية الكردية، ومنها «جيش الإسلام» القوة الرئيسية في «الجبهة الإسلامية»، و«الجبهة الشامية»، التي احتمت بها «حركة حزم» مؤخرا هربا من مواجهة خاسرة مع جبهة النصرة في مناطق وجودها في ريف إدلب.
المحور الرابع، وأساسه ما تبقى من تشكيلات الجيش الحر، والتي باتت جزرا مشتتة في غالب المناطق السورية ما عدا وجودها الكثيف في درعا والقنيطرة، لكن تلك الكثافة، تكاد تكون غير ذات أهمية كبرى بسبب الظروف المحيطة بها لجهة جوارها الأردني المشكل في موقفه ومخاوفه من جهة، وضعف إمكاناتها في التحرك إلى دمشق قلعة النظام ومركزه الأساسي من جهة أخرى، وبسبب تنامي قوة جبهة النصرة ونفوذها من جهة ثالثة.
وبغض النظر عن أهداف المحاور العسكرية والمسلحة، وموقعها في الصراع السياسي والعسكري وعلاقاتها الداخلية – الخارجية، فإنها تشكل القوى الأساسية لظاهرة تعميم القتل في سوريا بكل دلالاتها السياسية والعسكرية، التي لا يمكن تجاهلها، والأبرز فيها حالة تعميم انتشار السلاح، وتحوله إلى قوة رئيسية يكون بديلا عن السياسة في التأثير على مختلف جوانب الحياة السورية وفي تفاصيلها أيضا، مما أدى إلى تهميش القوى السياسية والمدنية. والثاني، سعي الأطراف المتصارعة إلى إثبات وجودها وتحسين مواقعها ونفوذها العسكري والسياسي في خريطة القوة السورية، وهذا ما سعى إليه «داعش» و«النصرة» في الفترة السابقة، حيث سيطرت على مساحات واسعة، وهو ما يحاوله «جيش الإسلام» في الغوطة الشرقية حاليا.
والدلالة الثالثة في تعميم القتل، تأكيد الاستعصاء في الوصول إلى حل للقضية السورية، حيث لا حل عسكريا في ظل توازنات القوة الحالية، وتعديلاتها الطفيفة، لأنه من غير المتوقع في ظل البيئة العامة، حدوث تغييرات جوهرية في خريطة القوة العسكرية، والدلالة الرابعة، يختصرها القول، إن نهج العنف والقتل مستمر ويتسع في سوريا ولوقت غير محدود، وهو هدف اشتغل عليه النظام منذ اندلاع الثورة قبل 4 سنوات، ثم انخرطت فيه القوى الأخرى ولو من منطلقات مختلفة.
خلاصة الأمر في تعميم العسكرة والقتل في سوريا، أنه أمر خدم ويخدم نظام الأسد وخصوصا لجهة تأكيده، أن سوريا تحولت إلى ميدان للقتل والقتال خاصة مع وجود جماعات التطرف والإرهاب، التي لن يقتصر وجودها على «داعش» و«النصرة»، بل سيولد قوى أخرى وبعضها قد يكون أكثر تشددا منهما، وقد بدأت ملامح هكذا تنظيمات بالظهور فعلا، ومما لا شك فيه، أن تعميم الظاهرة، يضيف صعوبات أكبر في مواجهة حل سياسي للقضية السورية خاصة في ظل انقسام الموقف الإقليمي والدولي وعجزه عن التوافق في سوريا وحولها، وفي ظل استمرار ضعف الموقف الإقليمي والدولي المناهض لسياسات نظام الأسد ونتائجها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

سيرغي لافروف في المؤتمر الصحفي صباح اليوم

لافروف يؤكد استمرار المحادثات الأمريكية – الروسية بشأن حلب

جنيف – مدار اليوم كشف وزير الخارجية سيرغي لافروف، عن مشاورات مع الأميركيين ...