الرئيسية / مقالات / أي “داعش”.. وأي إصلاح؟

أي “داعش”.. وأي إصلاح؟

الرابط المختصر:

منار الرشواني – الغد الأردنية

منار الرشواني

إذا كان لنا البدء من النتيجة النهائية، فإنه يجب الاعتراف بأنه ليس سيئاً بالضرورة هذا الهجوم الأخير على التدين عموماً، بل والإسلام ذاته، بدعوى التصدي لتنظيم “داعش” الذي يتستر بالإسلام، السُني تحديداً، تبريراً لجرائمه التي لا يستطيع عاقل الدفاع عنها.
إذ إن هذا الهجوم المتستر بدوره بجرائم “داعش”، إنما لغاية إقصاء واستئصال الخصوم فحسب، وقبله الانتقائية بشأن ما يعتبر ثورة محقة في بلد عربي ما مقابل تخوين الثائرين في بلد آخر، واعتبارهم متآمرين ومندسين، وإن كانوا يعانون استبداداً وفساداً يعد الأكبر بمقاييس العالم أجمع، وصولاً بالتالي إلى تأييد إبادتهم والمشاركة فيه مباشرة، تماما بذات أساليب “داعش”.. كل ذلك ليس يعيد التأكيد إلا على حدود الإصلاح الحقيقي الذي لم يعد ثمة مفر منه؛ باعتباره مصلحة للأنظمة والشعوب على حد سواء.
فمثل هذا الإصلاح الحتمي لا يمكن أن يكون كذلك من حيث هو “إصلاح ديني” فحسب، بل لا بد أن يكون إصلاحاً فكرياً عربياً شاملاً، يشكل الإصلاح الديني أحد مكوناته فقط، بل وترتهن إمكانية تحقيق هذا الأخير على الإنجاز الإصلاحي في الجوانب الأخرى، بشكل متزامن إن لم يكن أسبق.
لنجرب نزع الأسماء عن بعض الخطابات “العلمانية” وإخفاء مصادرها، فهل يعود ممكناً تمييزها بأي شكل من الأشكال عن خطابات “داعش”؛ دعوة للإقصاء واستئصال المخالفين، ولا ضير أن يكون ذلك عبر مذابح جماعية تثير الرعب والإرهاب في قلوب كل من يتجرأ على التمرد بأدنى درجة؟ الجواب حتماً هو: لا؛ ربما باستثناء أن “داعش” المعترف به، يكفّر كل البقية على أساس الدين، فيما الدواعش الآخرون، والأسبق في الوجود، يكفرون مخالفيهم (حرفياً) تحت مسمى العمالة والخيانة، على أساس أيديولوجيات علمانية؛ قومية ويسارية، بل وأحياناً على أسس دينية، حين يتم تصنيف المتدينين جميعاً في خانة الإرهابيين، أو هم في أحسن الظروف مشتبه بهم لا تثبت براءتهم إلا بالموت.
هكذا تصير العودة تلقائية إلى بداهة العلاقة، سبباً ونتيجة، بين “دواعش” العرب المتكاملين والمتعايشين؛ فما كان لداعش “الإسلامي” أن يظهر، لولا الدواعش العلمانيون الذين أعملوا سلاح الإقصاء والاستئصال عقوداً. والآن، يصير صحيحا بلا أدنى جدل أو شك، أنه ما كان لدواعش عقود الاستبداد والتخلف أن يستمروا، بل أن يرفعوا صوتهم بلا خجل، لولا “داعش” الأحدث. وتؤكد هذه العلاقة بشكل أوضح وأعمق الدراسة الصادرة، قبل أيام، بعنوان “داعش: داخل جيش الإرهاب”. إذ يؤكد واضعا الدراسة/ الكتاب، حسن حسن ومايكل وايز، أن العمود الفقري للتنظيم هم ضباط الجيش العراقي إبان حكم صدام حسين، والذين احتفظوا بذات الممارسات “العلمانية” بعد انطلاق حملة صدام للتدين خلال السنوات الأخيرة من حكمه، وصولاً إلى إنشاء “داعش” في العراق وسورية. كذلك أيضاً، ليست بعيدة فظائع الحرب الأهلية اللبنانية التي تناوب عليها الجميع، على اختلاف أديانهم وطوائفهم وأيديولوجياتهم، قبل ظهور “القاعدة” وكل تفرعاتها!
بعيداً عن المكابرة، فإن كل ما سبق يبدو بدهيات ومسلمات. لكن المعضلة، في كثير من الدول العربية، تبدو فعلياً في افتراض أن العلاج/ الإصلاح هو في مصلحة الأنظمة والشعوب على حد سواء. إذ كما تؤكد جلياً تجربة الدول العربية المنكوبة بالحروب الأهلية؛ المشتعلة والباردة، ما تزال الأنظمة هناك تصر على أن علاقتها مع شعوبها هي لعبة صفرية، فلا يمكن النظر إلى كل حق يُعاد للشعوب إلا باعتباره هزيمة وإذلالا للأنظمة التي اعتادت عقوداً أن تكون سيدة إقطاعيات بأقنان، لا أوطاناً بمواطنين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عبد القادر عبد اللي

عبد القادر عبد اللي يكتب: شرارة قصف القوات التركية تتوهج

عبد القادر عبد اللي بيان هيئة أركان القوات المسلحة التركية، حول هوية ...