الرئيسية / مقالات / الانكفاء الأميركي في وثيقة الأمن القومي

الانكفاء الأميركي في وثيقة الأمن القومي

الرابط المختصر:

سياسات أوباما الخارجية، رغم نجاحاته الداخلية، عرضت الولايات المتحدة كدولة ضعيفة تفتقد المبادرة والفعالية، بسبب الحذر الذي يبديه أوباما خوفا من التورط في كثير من القضايا.

ماجد كيالي – العرب للندنية

ماجد كيالي

لم يأت الرئيس باراك أوباما بأي جديد في رؤيته لـ“استراتيجية الأمن القومي للعام 2015” للولايات المتحدة الأميركية، والتي قدمها إلى الكونغرس، إذ اعتبرها كثيرون بمثابة تحديث لرؤيته السابقة التي طرحها بعد 15 شهرا من مجيئه إلى البيت الأبيض، وبمثابة شرح للسياسة التي تعتمدها إدارته، منذ سنوات، في تعاملها مع القضايا الدولية.

في هذه الوثيقة أكد أوباما مجددا أن همّه الأساس يتركز على الداخل الأميركي، وضمن ذلك إنعاش الاقتصاد، ورفع مستويات التنمية والتشغيل، وإعادة الجنود الأميركيين من الخارج، وتخفيف الالتزامات الأميركية في القضايا الدولية. وتبرير ذلك، حسب الوثيقة، أنه “في عالم معقّد، لا يحتمل عددا من المسائل الأمنية التي نواجهها، أجوبة سهلة وسريعة”. واللافت أن الوثيقة اختصرت التحديات التي تواجهها الولايات المتحدة في التغييرات المناخية وجرائم المعلوماتية، والحؤول دون انتشار أسلحة الدمار الشامل (إشارة إلى إيران)، والحد من النزاعات المسلحة، ومواجهة مخاطر التطرف والإرهاب (إشارة إلى “داعش” تحديدا)، والعدوان الروسي (إشارة إلى قضية أوكرانيا). أما في منهجية العمل، فأكدت الوثيقة أن مواجهة هذه التحديات والمخاطر “تتطلب الصبر الإستراتيجي والمثابرة”، انطلاقا من فكرة مفادها أن الولايات المتحدة ينبغي أن تقود، ولكن بالشراكة، حشدا من التحالفات الدولية، على أساس أنه لا يمكن لها أن تحاول “إملاء مسار كل الأحداث الجارية في جميع أنحاء العالم، وأنها لا تمتلك موارد لا متناهية لمعالجة هذه المشاكل المعقدة، التي لا يمكن أن تعالج فقط بالقدرات العسكرية”. هذه الوثيقة تعرضت لانتقادات، داخل الولايات المتحدة وخارجها، لاسيما أن سياسات أوباما الخارجية، رغم نجاحاته الداخلية، عرضت الولايات المتحدة كدولة ضعيفة وتفتقد المبادرة والفعالية، بسبب الحذر الذي يبديه أوباما خوفا من التورط في كثير من القضايا، وهو ما بدا واضحا في طريقة معالجته لملفات إيران وسوريا وأوكرانيا و”داعش”، ناهيك عن الملف الفلسطيني.

واضح أن هذه السياسات هي بمثابة رد فعل أميركي على السياسات التدخّلية التي انتهجتها إدارة الرئيس بوش والتي ورّطت الولايات المتحدة عسكريا واستنزفتها اقتصاديا، كما أنها بمثابة تعبير عن تعب أميركي من الشرق الأوسط المرهق وغير المفهوم و”المتنكّر”، من وجهة نظر قطاع واسع من الأميركيين، بواقع ما حصل في العراق وبعده في ليبيا، هذا إضافة إلى أنه بمثابة محاولة أميركية لمراعاة واقع صعود قوى أخرى، بدلا من مصارعتها، خاصة في ظل وجود تصوّر بشأن تحويل مركز الاهتمام الأميركي إلى الشرق (حيث الصين والهند).

ومع أهمية كل ما سبق، فإن التحول الأميركي الحاصل هو أيضا نتاج خيارات أخرى، باتت متاحة أمام الولايات المتحدة، ضمنها: أولا اطمئنانها على مستقبلها بشأن مخزونها من الغاز والنفط، مع الكشوفات الجديدة التي تفيد أنه بإمكانها، في غضون العقد المقبل، ليس الاستغناء عن نفط الشرق الأوسط فقط، وإنما أن تتحول إلى مصدّرة له، ومع توقعات تفيد بإمكان إزاحتها روسيا عن مكانة المصدّر الأول للغاز في العالم. ثانيا، تحول اهتمامها نحو مناطق أكثر أهمية في العالم لأمنها القومي، ولمصالحها الإستراتيجية السياسية والاقتصادية والعسكرية، فيما بات يعرف بالتوجه شرقا، مع وجود نخب باتت تعتقد بأن ما يجري في الصين والهند واليابان، ودول أميركا اللاتينية، أهم بكثير لأميركا، لمصالحها وأمنها، ممّا يجري في الشرق الأوسط بتعقيداته. ثالثا، يعتقد أوباما أنه يصنع ثورته داخل الولايات المتحدة، بوقف التدهور الاقتصادي وبخلق فرص وظيفية، وبتخفيض نسبة البطالة وبإقرار الضمان الصحي.

مع هذا كله، فإن ذلك لا يعفي الولايات المتحدة، رغم كل انتقاداتنا لسياساتها إزاء القضايا العربية، من مسؤوليتها عن تدهور الأوضاع الدولية والإقليمية، نتاج شعور كل من إيران وروسيا بأن هذه هي الفرصة السانحة لزيادة نفوذهما، الأمر الذي يفسر كثيرا ممّا يحدث في الشرق الأوسط، وبخاصة في سوريا والعراق، والشرق الأوكراني.

المؤسف أن هذا يحدث على حساب السوريين والعراقيين، بشكل خاص، الذين يدفعون باهظا ثمن أشياء كثيرة، وضمنها ثمن الانفلات الروسي والإيراني، وتاليا لذلك ثمن الانكفاء الأميركي، وثمن التردد الدولي، إزاء ما يكابدونه من أهوال وعذابات.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جوزيف ليبرمان

جوزيف ليبرمان و مارك والاس يكتبان: كيف ينبغي على ترامب أن يعيد التفاوض حول الاتفاق النووي

جوزيف ليبرمان و مارك والاس مثل الرئيس الأميركي المنتخب، دونالد ترامب، عارضنا بشدة ...