الرئيسية / مقالات / ملامح استراتيجية غربية لمكافحة الإرهاب

ملامح استراتيجية غربية لمكافحة الإرهاب

الرابط المختصر:

فيصل جلول – الخليج الإماراتية

فيصل جلول

لم يكن الهجوم الأخير في كوبنهاغن على مقهى يستضيف حلقة نقاش حول “حق التعبير والإسلام” دليلاً نافراً على سوء تفاهم حضاري متزايد التعقيد والاتساع فقد سبقه وربما يليه اعتداءات تشي بأن قضية الرسوم المسيئة للرسول العربي الكريم والتي انطلقت قبل سبع سنوات من الدنمارك لن تتم فصولاً ما دام العالم العربي يحترق بنار “داعش” و”القاعدة” والمنظمات الشبيهة التي كشفت النقاب عن لائحة من المطلوبين الغربيين في هذه القضية جرى تعقبهم في الهجوم على “شارلي إيبدو” الشهر الماضي في باريس وبالأمس في العاصمة الدنماركية ما يعني أن الهجوم الأخير ليس فريداً وربما يكون دليلاً على هجمات أخرى .
لقد صار جائزاً تصنيف الاعتداءات التي تشهدها البلدان الغربية في خانتين كبيرتين، الأولى تتعلق باللائحة المختارة التي نشرتها القاعدة حول وجوب قتل المسيئين للرسول العربي الكريم في الغرب ويشير هجوم كوبنهاغن إلى أنه ربما هناك من يتابع هذه اللائحة ويسعى لقتل الشخصيات المندرجة فيها، كما حصل في “شارلي” .
وإن كنا نعرف أن “القاعدة” هي التي نشرت اللائحة للمرة الأولى، فإن عملية باريس بينت أن الأمر ليس محصوراً بمنظمة أسامة بن لادن، والدليل أن حميدي كوليبالي شريك الأخوين كواشي، أعلن انحيازه إلى “داعش” وربما من غير المستبعد أن تكون المنظمتان على تنسيق وثيق لاغتيال المدرجين في لائحة الموت الأوروبية .
لقد بينت وقائع الهجوم على “شارلي إيبدو” أن الأخوين كواشي وكوليبالي شكلوا خلية نائمة تحركت في لحظة معينة أملتها على الأرجح اعتبارات عملانية وليس خطة مرسومة في دولة ما خارج الحدود ومنطوية على ساعة صفر محددة، وعلى فريق تنفيذي وأدوات لوجستية كبيرة . فالمعلومات المتاحة تشير حتى الآن على الأقل إلى أن الجهة التي أشرفت على الهجوم اكتفت بتحديد الهدف وطلبت من الفريق المنفذ أن يرسم الخطة ويحدد الوسائل المناسبة للتنفيذ ويختار التاريخ الذي يراه ملائماً . ولعل هذه الطريقة في العمل العسكري اللامركزي تميز “القاعدة” عن غيرها من المجموعات .
أما الخانة الثانية من العمليات الإرهابية فهي الناجمة عموماً عن الحرب في سوريا وينفذها عموماً عائدون من هذا البلد، كما هي حال مهدي ناموش منفذ عملية بروكسل أو كوليبالي الثاني منفذ عملية تولوز بالسلاح الأبيض وكلاهما كان في سوريا أو حاول الالتحاق بالقتال فيها وعندما لا يكون منفذ العملية من العائدين من بلاد الشام فإنه يبادر منفرداً إلى التضامن معهم، كما هي الحال مع العمليات الفردية التي وقعت هنا وهناك وهنالك في العالم الغربي . وتندرج في هذه الخانة أيضاً العمليات التي تتم خارج الدول الغربية وتستهدف غربيين كعملية اغتيال الفرنسي هرفيه غورديل في الريف الجزائري أو الرهائن الغربيين الذين ذبحتهم منظمة “داعش” في العراق .
في الحالتين، يبدو من الصعب على الدول الغربية خوض حرب سريعة وحاسمة ضد الإرهاب، ومن الصعب أن نقع على تصريح أوروبي واحد يتوقع القضاء على هذه الظاهرة في أجل قصير، لذا تتجمع يوماً بعد ملامح استراتيجية مضادة لهذه الظاهرة يمكن الإشارة إلى ملامحها من خلال النقاط التالية:
* أولاً: عزل الجاليات العربية والإسلامية في الغرب عن المجابهة مع الإرهاب وبالتالي ملاحقة العنصريين الذين يعتدون على مراكز تابعة لهذه الجاليات والتأكيد المتكرر بأن العمليات الإرهابية لا يجيزها الإسلام فضلاً عن تضامن المسؤولين عن هذه الجاليات مع السلطات المعنية في البلدان المذكورة .
* ثانياً: إعادة النظر في الحرب على سوريا وبالتالي تفكيك الشبكات التي كانت ترسل المقاتلين إلى هذا البلد وتحديد هوياتهم ومراقبتهم وتشديد العقوبات بحقهم والتي قد تصل أحياناً إلى الحرمان من الجنسية . علماً أن الخلافات الأوروبية مازالت تعيق إعادة الاعتبار للنظام السوري وطلب شراكته في هذه الحرب .
* ثالثاً: تغيير البيئة التي يخرج منها منفذو هذا النوع من العمليات وبخاصة شروط السجن حيث يتضح أن معظم المعنيين بهذه الظاهرة أصبحوا راديكاليين مهيئين للقيام بأعمال إرهابية في السجن . لا نعرف بعد كل الإجراءات التي اتخذت لتفكيك العناصر التي أتاحت من قبل جذب جانحين عاديين إلى ما يسمى “الإسلام السياسي” والسلفي، ولكن بعضها يعكس تصميماً على تغيير شروط السجن سواء عبر المرشدين المسلمين المعتدلين أو السجن الانفرادي للمتشددين لفترات طويلة أو حرمان المعنيين من الجنسية أو الترحيل بالنسبة للمقيمين الأجانب . . . إلخ .
* رابعاً: عدم السقوط في إجراءات انتقامية على الطريقة البوشية في الولايات المتحدة وبالتالي الجمع بين “احترام حقوق الإنسان والنضال ضد الإرهاب” بحسب المعادلة الفرنسية التي رفعت في مواجهة “باتريوتيك آكت” الأمريكي بعيد الهجوم على برجي التجارة العالمية في نيويورك عام 2001 . لذا ما زالت الرقابة على الهواتف تتم بواسطة الفضاء، وفي حالات معينة ومازالت شركات السفر غير مجبرة على كشف كامل لوائح مسافريها إلى الأجهزة الأمنية إلا في حالة الظن بوجود مخاطر إرهابية وحتى فضاء شينغن لن يلغى كما أشيع بعيد هجوم “شارلي إيبدو” وإن اتخذت إجراءات لتشديد الرقابة على مداخل أوروبا ومخارجها وفي حالات معينة داخل الفضاء الأوروبي .
* خامساً: التشدد فيما يعتبره الغربيون حقاً مقدساً في التعبير وبالتالي مواصلة الإساءة بواسطة الرسوم وغيرها للمقدسات الإسلامية استناداً إلى منطق غربي يقول إن التراجع سيفسر من الطرف الآخر بوصفه هزيمة للقيم الغربية وإذعان الإرهابيين، ومعنى ذلك أن سوء التفاهم الحضاري الكبير سيشكل بيئة حاضنة للأعمال الإرهابية التي تتذرع بالإساءة للمقدسات الإسلامية وبخاصة الرسول العربي الكريم .
* سادساً: الرهان على تنسيق شامل ومفتوح بين الأجهزة الأوروبية وقد أسفر ذلك عن إحباط عمليات إرهابية وفق أنباء منشورة، لكن حتى الآن لم تجد هذه الأجهزة حلاً لمشكلة عويصة، وهي أن الإرهابيين هم في الأغلب جانحون سابقون ما يعني أن القضاء على ظاهرة الجنوح شرط للقضاء على الإرهاب، لكنه شرط مستحيل لأنه يستدعي مدينة فاضلة لا أثر لها إلا في نصوص أفلاطون.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

روسيا: كميات كبيرة من الأسلحة تدخل إلى المعارضة في سوريا عبر الحدود التركية يومياً

فايز سارة يكتب: القضية السورية في القبضة السورية

فايز سارة أرخ التدخل الروسي العسكري في سوريا أواخر العام 2015 لمرحلة ...