الرئيسية / مقالات / الإرهاب والتغول.. والمسار العربي

الإرهاب والتغول.. والمسار العربي

الرابط المختصر:

د. رضوان السيد – الاتحاد الإماراتية

رضوان السيد

أظهرت الجريمة بحق الأقباط المصريين، بعد الجريمة المرتكبة بحق الطيار الأردني الكساسبة، وتصاعد جرائم التنظيمات الإرهابية في سوريا والعراق وشرق اليمن، أنّ التحدي شامل، وهو يستهدف العرب جميعاً دولا ومجتمعات. لقد أخرجت الجريمة ضد المصريين وضد الكساسبة، مصر والأردن عن طورهما. وبينما كان الأردن قد شارك في الحملة الدولية على الإرهاب، فإنّ مصر التي كانت قد أعرضت عن المشاركة خلال مؤتمر جدة تدعو الآن إلى تحالف دولي لضرب الإرهاب في ليبيا المجاورة.

لا ينكر أحد أن العرب مستهدَفون من «داعش» و«القاعدة» بالدرجة الأولى. لكن لا نستطيع أيضاً أن نُنكر أنه لولا العودةُ الأميركية (وإنْ بالطيران فقط حتى الآن) لمكافحة التنظيمات القاتلة هذه، لما أُتيح للدول العربية الانطلاق في الحملة للدفاع عن أمنها.

لقد مضت على الحملة ستة أشهر، وظهرت خلالها تحديات جديدة بعضها استولدتها الحملة أو أظهرتْه. ومن ضمن ذلك صلابة «الظاهرة» وتفاقُمها مما دفع الأميركيين للحديث عن ثلاث سنوات على الأقل لاستيعابها والقضاء عليها. لكن من التحديات أيضاً ظهور مشكلات نتيجة الاختلاف في الإدراكات والأهداف والأولويات. فنحن لا نعرف بالضبط لماذا أثارت جرائم «داعش» إدارة أوباما إلى حد الانقلاب على كل السياسات الماضية، المصرة على عدم التدخل مهما كلف الأمر. ورغم كثرة المؤتمرات والاجتماعات، ما تزال الاستراتيجية الأميركية غير واضحة تماماً.

لكنْ لننصرف مؤقتاً عن تعداد التحديات التي تواجهها واشنطن، والتي تراجع وتعدل سياساتها كل أسبوع، إلى المشكلات والتحديات التي تواجهنا نحن العرب في الدفاع عن أنفسنا ضد الإرهاب، وضد التغوّل. والذي أقصِدُه بالتغول التدخلات الإيرانية في الدول العربية المضروبة بالإرهاب. نعرف منذ مدة أن أوباما كتب إلى خامنئي رسائل سرية ليس بشأن النووي وحسْب، بل وبشأن التعاوُن في مواجهة الإرهاب. وقد اتخذ ذلك على نحو ما صيغة الاستئذان، باعتبار أن الولايات المتحدة تريد التحرك في مناطق نفوذ إيرانية في العراق وسوريا! وبينما انصرفنا نحن للتحذير من استفادة الأسد من ضرب «داعش»، فإن المحذور الأكبر ليس استفادة الأسد، بل اكتمال استيلاء إيران على العراق وسوريا ولبنان، وربما اليمن! فكل التدخلات الأميركية العسكرية والسياسية في منطقتنا منذ عام 2001 أفادت منها إيران، أكثر حتى من الحلفاء المحليين، من أفغانستان إلى باكستان والعراق وسوريا ولبنان والبحرين واليمن!

أريد الوصول إلى أننا نحن الأكثر تضرراً من «داعش» و«القاعدة»، والأكثر تضرراً من الحرب الإيرانية الدائرة الآن في قلب أربع دول عربية. نحن نتعاون مع الولايات المتحدة ضد تنظيم «داعش»، وهو عدوٌّ لنا وللأميركيين والعالم. لكن الذي يخلُفُ «داعش» ليس الشعوب العربية أو حتى حكامها، بل الإيرانيون أولا، والأتراك ثانياً، والروس ثالثاً.

بعد التردد المصري، ثم ظهور العزيمة المصرية، ليس الحل في دعوة مصر إلى حرب دولية على الإرهاب في ليبيا، بل الحل هو في مسار عربي، تعمل عليه الدول العربية التي تواجه الإرهاب، وله إدراكاته وأولوياته ومساره المستقل، وإن غير المنفصل عن المسار الدولي العام. ويمكن للأربع أو الخمس دول عربية القادرة على التصدي للإرهاب أن تبدأ مع مصر في ليبيا، ثم أن تنطلق نحو اليمن لمكافحة «القاعدة» والحوثيين. وبالطبع لن يكون هذا المسار عسكرياً بحتاً، بل فيه السياسي والتعاوني والعمراني والإنساني، وفيه قبل كل شيء وبعده: البعد الاستراتيجي. وعندما ينجز هذا المسار شيئاً معتبراً، يمكن التوجه إلى الأميركيين والأوروبيين والروس أيضاً بما نراه حقاً لنا بسبب المشاركة وبسبب القدرة، وبسبب مشروعية الأهداف: صَون الدول والمجتمعات العربية من الإرهاب والتغول!

ما دفعني لكتابة هذه الكلمة ليس التصرف السيادي المصري فقط، بل والمقابلة التي أجراها وزير الخارجية الهولندي مع جريدة «الحياة» (18/2/2015). قال الرجل إن أهم مرتكزات الحل السياسي في وجه «داعش»: إنهاء تهميش «السنة» في سوريا والعراق! وإذا كان ممكناً تهميش العرب السنّة في العراق، وهم ثلث السكان، وفي سوريا، وهم ثلاثة أرباع السكان، فإن عندنا بالفعل مشكلةً حقيقيةً ليس مع التطرف والإرهاب فقط، بل ومع الغَلَبة والتغول!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسين عبد الحسين

حسين عبد الحسين يكتب: ترامب سيواجه إيران في سوريا

حسين عبد الحسين في الفكر المضطرب للرئيس الأميركي المنتخب وشبه الأمي دونالد ...