الرئيسية / مقالات / الربيع العربي من منظور التنظير للثورات

الربيع العربي من منظور التنظير للثورات

الرابط المختصر:

الثورات ممر إجباري لكسر الاستعصاء في التطور، بمعنى أنها ليست خيارا بين خيارات متعددة، أي أنها تأتي بعد أن تسد الأنظمة المستبدة كل الخيارات التي تفضي إلى التغيير أو التجديد.

ماجد كيالي – العرب اللندنية

ماجد كيالي

لم يثبت أن ثمة إجماع على تعريف الثورات، مع التقدير للمنظّرين على اختلاف اجتهاداتهم وخلفياتهم، إذا تجاوزنا الوصفات العامة والشائعة، ذات المنحى الدعاوي أو الأيديولوجي، والتي تصلح لأي حالة في أي زمان ومكان.

هذا الكلام لا يقلل من أهمية النظرية، إلا أنه يفيد بملاحظة أن التراث النظري للثورات، هو أصلاً نتاج التجربة البشرية، أي أنه ليس سابقا لها. ومعلوم أن التنظير للثورة الفرنسية، ثم للثورات الأوروبية في القرن التاسع عشر، كما للثورة الروسية وما بعدها في القرن العشرين، حصل بعد قيام هذه الثورات وليس قبلها. هذا ما حاوله، مثلاً، كل من لينين في كتابه الشهير “الدولة والثورة”، وحنّا آرندت في كتابها “في الثورة”، الذي تحدثت فيه عن معنى الثورة، وكريس برنتن في كتابه “تشريح الثورة”، الذي حاول فيه تحليل ونقد الثورات الأربع الإنكليزية والأميركية والفرنسية والروسية واستخلاص مقاربات فيما بينها، وأريك هوبزباوم في كتابه “عصر الثورة”، الذي أرّخ فيه للتحولات الثورية بكل أبعادها، في أوروبا في الفترة من 1789 – 1948.

الفكرة الثانية، التي يمكن طرحها هنا مفادها أن الثورات هي وليدة المجتمعات الحديثة، وتطور العمران البشري وتمركزه، أي أنها نتاج قيام المدن وتطور الصناعة ووسائل المواصلات واختراع الطباعة وانتشار التعليم والانقسام الطبقي وظهور الطبقة الوسطى وتزايد الوعي بالحقوق والحريات الفردية والسياسية، ما يجعل منها حالة مرتبطة بالحداثة، وبمفهوم السلطة والدولة، على خلاف التمردات الشعبية التي عرفتها العصور السابقة.

أما الفكرة الثالثة، فتتأتى من اعتبار الثورات ممراً إجباريا لكسر الاستعصاء في التطور، بمعنى أنها ليست خياراً بين خيارات متعددة، أي أنها تأتي بعد أن تسد الأنظمة المستبدة كل الخيارات الأخرى، التي تفضي إلى التغيير أو التجديد أو التطوير. وهذه هي اللحظة الحرجة، أو لحظة الأزمة الثورية حسب المفهوم اللينيني، إذ لا تعود الطبقات المحكومة والمظلومة قادرة على العيش على النحو الذي كانت تعيش به، ولا تعود الطبقة الحاكمة والمهيمنة قادرة على الحكم والسيطرة، على نحو ما كانت تفعل، دون أن تتوصل إلى ذلك بالوعي، أو بحكم المصلحة.

هذه المسائل الثلاث ربما تفسر ما حصل في بعض البلدان العربية في الأعوام الأربعة الماضية، أي أنها بقدر ما تفسر حال الثورات وشرعيتها، فإنها تفسر مآلاتها أو تعثراتها. هكذا فإن هذه الثورات التي جاءت عفوية كانت اندلعت نتيجة تفاقم مشاعر القهر والإحباط والغضب، وبسبب انسداد الخيارات الأخرى، أو بسبب مقاومة النظم المستبدة لعملية التغيير السياسي، وهي تعثرت بواقع ضعف المجتمع المدني، وهشاشة المجتمعات العربية.

القصد أن المجتمعات المعنية لم تكن لديها خيارات، فإما مواصلة العيش على النحو السابق، والقبول بتهميشها ومصادرة حقوقها والبقاء خارج التاريخ العالمي، أو كسر الجوزة الصلبة التي تمثلها النظم الاستبدادية، وهو ما حصل، رغم الكلفة والتحديات التي نجمت عن ذلك.

ثمة سؤال أخلاقي يطرح نفسه بعد كل هذه التجربة بآلامها وتكاليفها، وهو أنه إذا كانت كلفة الثورات على هذا النحو، وإذا لم تكن الأهلية لها موجودة، فهل أن التغيير، أو ما سيأتي، يستحق فعلاً؟ وفي الواقع فإن هذا السؤال إشكالي، ولا يمكن الإجابة عليه نظرياً، لأن الثورات لم تستأذن أحدا، ولأنه لا يجوز، سياسيا ولا أخلاقيا ادعاء الحياد، أو استخدام لغة الوعظ والإرشاد، لاسيما في لحظة احتدام الصراع بين الضحية والجلاد.

الأهم من هذا وذاك، إدراك حقيقة مفادها أن التاريخ لم يعرف ثورات كاملة أو ناجزة، فالثورات لا تأتي على حسب الرغبات، وإنما حسب مستوى التطور السياسي والثقافي والاجتماعي للمجتمع المعني، وهي بذلك تنطوي على تضحيات وآلام، فضلا عن أنها قد تشهد إخفاقات أو تراجعات أو انحرافات، فذلك هو جزء من الثمن.

على ذلك فإن التحديات التي تواجه الثورات العربية لا تقلل من مشروعيتها، أو من نبل مقاصدها، رغم الإحباطات والثغرات، لاسيما أن هذه هي أول تجربة سياسية للمجتمعات العربية في العصر الحديث، وأول إطلالة لها على مسرح التاريخ بوصفها فاعلا سياسيا، وأول محاولة في العالم العربي لإسقاط أنظمة تسلطية، ويكفي أن هذه الثورات عمقت الإدراكات السياسية في أذهان المواطنين، بمقدار عقود أو قرون.

نقول ذلك مع معرفتنا أن ثورات الربيع العربي تستحق الكثير من النقد، العميق والقاسي، لكن ما ينبغي إدراكه أن العديد من مثيلاتها كانت مرت بنفس تلك المشكلات، وضمنها الثورة الفرنسية التي باتت من منظور حركة التاريخ، بمثابة أيقونة الثورات.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

دونالد-ترامب

مستقبل العلاقات العربية الأمريكية بعد فوز ترامب

عبد الرحمن صلاح الدين لم يكن صناع القرار في العالم العربي متهيئين ...