الرئيسية / مقالات / القوة الدافعة.. ومنطق الضرورة

القوة الدافعة.. ومنطق الضرورة

الرابط المختصر:

د. عمار علي حسن – الاتحاد الإماراتية

عمار علي حسن

فرض مفهوم «القوة الدافعة» نفسه على علوم ومعارف شتى، طبيعية وإنسانية، لارتباطه بقيمة مركزية في سلوك البشر ومسارات الحياة عموماً هي القوة، ومزاوجته بين الفكر والحركة، أو بين النظري والتطبيقي، واشتماله على متقابلات تمثل الطبيعة المتوازنة للحياة، حيث الشيء ونقيضه، فالليل يقابله النهار، والسائل يقابله الصلب، وعلى المنوال ذاته فإن القوة يقابلها الدفع أو «المواجهة».

وقد قادت التحديات التاريخية التي واجهت العالم الإسلامي في تاريخه المديد إلى إفراط الفقهاء في الحديث عن الجهاد بشتى درجاته، التي تبدأ بكبح شرور النفس وتنتهي عند التصدي للغزاة ومواجهة الجائرين، ولكنهم لم يعطوا اهتماماً كافياً لمفهوم «القوة الدافعة»، الذي يتجلى واضحاً في النص القرآني، محدد الملامح والمعالم، ويحمل من الشمول المادي والرمزي ما يوجب الالتفات إليه، والعناية به، والسعي في سبيل تجلية أصله وجوهره، وشرح جوانبه ودعائمه، والانطلاق منه لبناء رؤية تحوي كل ما يتصل به.

وينبع هذا المفهوم من الآيات الكريمة التي يقول فيها رب العزة سبحانه وتعالي: «وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ» (البقرة: الآية 251)… «وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأمُور» (الحج، الآيتان: 40-41).

فهذه الآيات الكريمة تخبرنا في بساطة ووضوح أن الإصلاح في الأرض يتطلب وجود رأسين متناطحين، وجبهتين متواجهتين، تدفع كل منهما الأخرى، وتصدها وتردها، وتبين لنا أن في هذا الدفع فائدة كبيرة للإنسانية، وصوناً لها من الانهيار التام، الذي ينجم إما عن تجبر لا يُقاوم، أو تخاذل لا يثير نخوة، وتؤكد في الوقت ذاته أن ممارسة الدفع ضد الظالمين والغزاة والمتجبرين هو نصرة لله تعالى، ورسالة الأنبياء التي تقوم على عبادة الله بالصلاة له، والاستخلاف في الأرض بإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ولا يسمع الناس كثيراً عن المواجهة العلنية إلا بعد الحروب وأثنائها وأيام الاحتلال، مع أنهم لو أمعنوا النظر في حياتهم، وفي مفردات الطبيعة، وكل شيء يجري ويتم حولهم، بأيديهم أو من صنع غيرهم، لاكتشفوا أن الحياة نفسها خيار ناصع جلي للمواجهة، لأنها تنطوي دوماً على «القوة الدافعة» التي ترد وتصد. فنحن نحيا لنقاوم الفناء، ونتوالد ونتكاثر لنقاوم الانقراض، ونتكلم لنقاوم الصمت، ونتعلم لنقاوم الجهل، ونتداوى لنقاوم المرض، ونكدح ونكسب لنقاوم الفقر والعوز، ونفرح لنقاوم الحزن، ونعمّر لنقاوم الخراب، ونبني لنقاوم الهدم، ونجمل أنفسنا وما حولنا لنقاوم القبح، ونفعل الخير لنقاوم الشر الطافح في كل مكان وفي أي لحظة، في رحلة «دفع» لا تنتهي أبداً.

ومثل هذا الوضع يجعل من «القوة الدافعة» مسألة مركزية في الحياة الطبيعية والإنسانية، ومن ثم يصبح من المهم أن ننطلق منها لفحص ودرس بعض الظواهر السياسية والاجتماعية والثقافية التي تحيط بنا.

ونظراً لأهمية هذه المسألة فلابد أن نتتبع تجليات وتحولات «القوة الدافعة» سواء في الواقع المعيش أم في المعرفة الإنسانية، لتأسيس إطار لتفسير بعض الظواهر السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي قد تفرض نفسها، ولا يمكن تجاهلها. ويتطلب هذا السعي الإجابة عن عدة تساؤلات تتمثل في: ما هي طبيعة التطور الوظيفي لمفهوم القوة الدافعة؟ وما هي أهم مجالات استعماله؟ وأي صورة سياسية وفلسفية حديثة ومعاصرة تظهر فيها لـ«القوة الدافعة» باعتبارها مفهوماً أساسياً وقيمة حياتية وطبيعية مركزية؟ وماذا عن ماهية الفلسفة العامة التي تحكم «القوة الدافعة»؟ وهل يمكن أن نجد نماذج واضحة المعالم لتطبيقها في الواقع؟

وقد حفل التراث الإسلامي باهتمام قوي بمسألة «القوة الدافعة»، نظراً لارتباطها بسنن كونية واجتماعية قدرها الله تعالى، ولتمثيلها إطاراً يفسر الكثير مما هو معلن من السلوكيات والتصرفات الفردية والجماعية، المحلية والدولية. فها هو علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يرى في هذه الآيات ما يعني دفع الله بأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم الكفار عن التابعين ومن بعدهم. ويزاوج أبوالدرداء بين الديني والسياسي في رؤيته وتفسيره فيقول: «لولا أن الله عز وجل يدفع بمن في المساجد عمن ليس في المساجد.. لأتاهم العذاب». ويضفي عليها مجاهد طابعاً قضائياً أو حقوقياً فيتحدث عن دفع الله ظلم قوم بشهادة العدول. وهناك من قال: «لولا دفع الله العذاب بدعاء الفضلاء والأخيار». وتوجد قاعدة فقهية ذهبية تقول: «دفع الضرر مقدم على جلب المنفعة».

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسين عبد الحسين

حسين عبد الحسين يكتب: ترامب سيواجه إيران في سوريا

حسين عبد الحسين في الفكر المضطرب للرئيس الأميركي المنتخب وشبه الأمي دونالد ...