الرئيسية / مقالات / تحوّلات في كيانات المشرق

تحوّلات في كيانات المشرق

الرابط المختصر:

حازم صاغية – الاتحاد الإماراتية

حازم صاغية

قد يبدو من الغريب جداً أن يقال اليوم، إن لبنان والأردن – وهما كيانان صغيران- أمتن بلدان المشرق العربي راهناً. ذاك أن البلدين الآخرين -الأكبر والأغنى بلا قياس- أي العراق وسوريا، متصدعان تمام التصدع، ومرشحان لمصائر قاسية قد لا يُستثنى منها الاضمحلال السياسي والتعرض لإعادة تركيب تطال خريطتيهما.

واقع الأمر، وبشيء من العودة إلى الوراء، أن الكثير من الأحداث الكبرى التي عرفها المشرق العربي بعد استقلال دوله إنما يندرج في المحاولات الرسمية السورية والعراقية للهيمنة على لبنان والأردن. وغالباً ما سارت هذه المحاولات في موازاة تنافس مُرّ بين المركزين الدمشقي والبغدادي على النفوذ الإقليمي. وفي السياق هذا قُدّم لبنان والأردن في الأدبيات النضالية والقومية العربية، حيث لحزب «البعث» اليد الطولى، بوصفهما كيانين «مصطنعين» نجما عن التجزئة الاستعمارية التي فتتت المنطقة. بل يمكن القول، أبعد من ذلك، إن المعنى الفعلي لم سُمي حركة التحرر العربي في المشرق لم يكن يتجاوز تمكين السيطرة السورية أو العراقية على الجارين الأصغرين، وأحياناً ما استُخدمت المقاومة الفلسطينية المضطرة إلى مساعدات دمشق وبغداد، للمشاركة في الدور هذا.

ودائماً ما أحست قطاعات عريضة من الأردنيين واللبنانيين بأنها مُستَهدفة بالضم أو بالإلحاق أو بالسيطرة على القرار الوطني المستقل. ولهذا مثلاً واجه الأردن محاولات عدة للإخضاع تجسدت في أواخر الخمسينيات، حين كانت سوريا ومصر دولة واحدة، في الانقلاب المدني لسليمان نابلسي وحكومته، وفي الانقلاب العسكري الذي قاده الضابط علي أبو نوار وأجهض في بداياته. وهذا فضلاً عن اغتيال رئيس الحكومة هزاع المجالي الذي كان فصلاً تأسيسياً في الاغتيالات السياسية التي شهدها العصر العربي الحديث. وحين قام في 1963 نظامان «بعثيان» في سوريا والعراق، وكانا يومها منسجمين انسجاماً لم يعمر طويلاً، بدا الأردن مخنوقاً ومحاصراً من جهتين حدوديتين. وما لبث أن تعاظم هذا الشعور بالحصار مع قيام منظمة التحرير الفلسطينية أواسط الستينيات. هكذا وجد الملك حسين نفسه مدفوعاً دفعاً لخوض حرب 1967، ولاسيما أن المنظمات المسلحة الفلسطينية ومعظمها مدعوم من بغداد أو دمشق، وضعته أمام خيارات بالغة الضيق: فهو إما أن يبدو مع «الاستعمار والصهيونية» على ما كان يصفه جمال عبدالناصر و«البعثيون»، وإما أن يخوض معركة أقرب إلى الانتحار. وهو فعلاً اختار الخيار الثاني، ما تأدت عنه خسارة الضفة الغربية لإسرائيل التي احتلت أيضاً سيناء المصرية وهضبة الجولان السورية في أيام ستة.

وعلى رغم هزيمة يونيو (حزيران) 1967، واجه الملك حسين المنظمات الفلسطينية المسلحة، بما فيها المدعومة من دمشق أو بغداد. ولئن وقف الحكم العراقي إلى جانبه عملياً وحيّد قواته العسكرية في الأردن، فذلك لأن منافسه الحكم السوري لم يتورع عن التدخل العسكري المباشر ضد السلطة الأردنية، وهو ما أوقفه وزير الدفاع السوري حينذاك حافظ الأسد، لا حرصاً على وضع الأردن أو منعاً لوقوعه في الفوضى ووقوع سلطته المركزية في يد المنظمات المسلحة، بل تحسساً بفداحة التورط العسكري السوري وما قد يترتب عليه من ذيول خطيرة إقليمياً ودولياً. ثم في الثمانينيات اضطر الأردن لكي يحمي نفسه من غضب الأسد، المتحالف مع النظام الخميني في إيران، أن يذهب بعيداً في تحالفه الاضطراري مع صدام حسين الذي كان يخوض حربه ضد النظام الإيراني.

لكن الأردن الذي استُضعف وجُعل «ساحة» لمعركة النفوذ السورية والعراقية، هو اليوم أقوى بلا قياس من البلدين اللذين حاول نظاماهما التلاعب به، بحيث إن تلميحات كثيرة بدأت تظهر بأن الأردن قد يتمتع بدور بارز في رسم مستقبل سوريا، انطلاقاً من جنوبها في درعا. وهذا عطفاً على «الخيار الأردني» الشهير الذي يبقى واحداً من الاحتمالات المطروحة لعلاج المشكلة الفلسطينية، ينقل عمّان من عاصمة- ملعب إلى عاصمة- لاعب.

أما لبنان الذي تعيث به وتهدده من دون انقطاع طائفية منفلتة من كل عقال، فلا يزال رغم كل شيء يتمتع بالمظهر الموحد على الأقل. وبالطبع فهو مرشح لأن تجرفه العواصف التي تهب من الجوار السوري، إلا أنه لا يزال يقاوم الانهيار الكامل ويحقق في ذلك بعض النجاح النسبي.

والحال أن هذه العجالة لا تتسع لاستعراض التاريخ «البعثي» في محاولات استباحة لبنان والهيمنة عليه، لاسيما منها تلك التي بدأت مع دخول القوات السورية إليه في 1976، ولم تنقطع حتى خروجها منه على إثر اغتيال رفيق الحريري في 2005. وإذا صح أن العراق البعيد، والذي تفصله سوريا عن لبنان، لم يُقيض له الاضطلاع بأدوار كبيرة على «الساحة اللبنانية»، إلا أنه لم ينقطع في عهد صدام حسين عن تمويل وتغذية قوى إرهابية أو متطرفة في منافسته مع الحكم الأسدي في دمشق. وبعدما دارت الأزمنة دورتها رأينا «الصيغة اللبنانية» -رغم كل ما تنطوي عليه من قصور وكل ما تحتويه من مخاطر الانفجار- تتحول واحداً من احتمالات المستقبل السوري، بعدما استُلهمت إلى حد بعيد في رسم عراق ما بعد صدام حسين.

غني عن القول إن الفارق بين «السيئ» اللبناني و«الأسوأ» السوري والعراقي كامن أساساً في أن لبنان لم يتكتم على تعدده، ولم يحاول سحقه أو مصادرته باسم أمةٍ تعبر عنها سلطة مركزية متوحشة. وهذا التوحش الذي عانى السوريون والعراقيون قسوته الاستثنائية، إنما يتجسد وجهه الآخر في النزعة التوسعية وشبه الإمبراطورية لنظامي حافظ الأسد وصدام حسين. فالأخيران، بما فعلاه، وبالتركتين اللتين خلّفاهما بعد رحيل الأول وسقوط الثاني، إنما أحرزا «نجاحاً» منقطع النظير في تحويل بلديهما القويين إلى بلدين بالغي الضعف، معرضين للاندثار. وبفعلهما هذا، وبالمقارنة البحتة، جعلا بلدين على قدر من الضعف كالأردن ولبنان يبدوان قويين وموضعاً للاستلهام أو التقليد في منطقة المشرق.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

روسيا: كميات كبيرة من الأسلحة تدخل إلى المعارضة في سوريا عبر الحدود التركية يومياً

فايز سارة يكتب: القضية السورية في القبضة السورية

فايز سارة أرخ التدخل الروسي العسكري في سوريا أواخر العام 2015 لمرحلة ...