الرئيسية / مقالات / إرغامات الوقائع الثلاث

إرغامات الوقائع الثلاث

الرابط المختصر:

د. رضوان السيد – الاتحاد الإماراتية

رضوان السيد

في الأسبوع نفسِه صرح وزير الخارجية الأميركي أمام الكونجرس، بأنّ إيران أسهمت في إسقاط الحكومة بصنعاء، ونشر الفوضى باليمن. ثم صرح بعدها بيومين أن الولايات المتحدة محتاجة لإيران في مكافحة الإرهاب! قائد الحرس الثوري الإيراني أراد فيما يبدو الرد على تصريح كيري الأول، عندما ذكر أنّ إيران «تُحكم» سيطرتها على مضيق هرمز والبحر الأحمر وبحر عُمان وباب المندب.. إلخ. فعاد كيري لتأكيد الحاجة إلى إيران رغم تخريباتها في اليمن وسوريا والعراق ولبنان! إن واقع تجاذُب وتوافُق السياسات بالمنطقة بين واشنطن وطهران ولأكثر من ست سنوات ما عاد يمكن إنكارُه. فهذا واقع قائم على الأرض منذ احتلال أميركا للعراق وحتى اليوم، وصار يمكن تتبُّع هذا التراوُح (وليس التذبْذُب) في السياسة الأميركية تجاه إيران، وتجاه تركيا أردوغان. وقد صارت هذه الأُمور ونتائجها على الاستقرار بالمنطقة ظاهرةً وواضحة.

لقد كان على العرب (ومنذ عام 2004 على أقل تقدير) التعامُل مع هذه المراوحة الأميركية التي قلب الغزو الأميركي للعراق كل توازُناتها. وقد أعلن الأمير سعود الفيصل في مؤتمر القمة العربية بسرت عام 2010 أن التوازُن بين العرب وجوارهم مختلّ، أساساً بسبب الغزو الأميركي للعراق، وأنّ العرب يعانون من «خواء استراتيجي» لابد من التصدّي له، قبل التفكير بطرائق «التعاون» مع الجوار أو خوض «حوار استراتيجي» معه، كما كان الأمين العام السابق للجامعة العربية عمرو موسى يقترح. ومنذ عام 2010 ازدادت الهجمة الإيرانية على العرب شراسةً، وازدادت السياسة الأميركية مُراوحةً للاقتراب من إيران، والجهامة والغلاظة تجاه مطالب العرب وشكاواهم القديمة (في فلسطين)، والأخرى الجديدة مع واشنطن وإيران!

إنّ الواقعة الأولى هذه، قد استحالت واقعاً، ما عاد يمكن التردد في مواجهته وبخاصة بعد الحروب الداخلية التي أشعلتها إيران في غزة (2007)، وفي بيروت (2008)، وفي سوريا (2013)، وفي العراق قبل «داعش» (2013-2014)، وفي اليمن (2014-2015). وهذا الإرغام يقتضي حديثاً استراتيجياً مع الولايات المتحدة، ومبادرةً عربيةً موحَّدةً لاستعادة الزمام في سائر البلدان المضطربة وآخِرُها اليمن.

أما الإرغام الثاني، أو الواقعة الثانية فتتمثل بـ «القاعدة» ثم داعش وشبيهاتها، والتي تحولت إلى خطر داهم في النصف الثاني من 2014. ويظهر الخطر الداهمُ هذا ليس في أحداث القتل والتهجير الفظيعة، بل في العمل على إقامة كيانات بديلة للدول العربية القائمة. بل يتمثل الوجه الثالث للخطر في استغلال إيران وميليشياتها لظهورات «داعش» و«القاعدة»، لشرعنة ميليشياتها التي تدعي مكافحة الظاهرة، وللتسليم بالأنظمة الطائفية بسوريا والعراق، والتي أنشأتها إيران أو حوَّلتها. بل إن محمود الزهار بشّرنا أخيراً بعودة إيران إلى غزة! والذي أراه أن الميليشيات المتقاتلة باسم السنة والشيعة، لا تضرُّ إحداها الأُخرى، بل تضرُّ جميعاً البشر والمجتمعات والعمران والدول في البلدان العربية. وهناك اليوم سبع دول عربية تقاتل ضد «داعش» مع الولايات المتحدة. وهنا أيضاً تحتاج الدول العربية لتنسيقٍ أكبر فيما بينها لناحية الإجراءات ووسائل المكافحة، ولجهة الأهداف والمآلات: فمن الذي يخلُفُ «داعش» ومثيلاته، مصالح شعوب تلك البلدان، أم الأنظمة الموالية لإيران، أو لإحدى الأيديولوجيات المتطرفة الصاعدة في ليبيا وغيرها؟!

الواقعة الثالثة، والتي تشكّل إرغاماً معتبراً بالنسبة للعرب في الدين والدنيا، تتمثل في أنّ هناك انشقاقات بداخل الإسلام، جزءٌ منها أظهر «القاعدة» و«داعش»، والجزء الآخر نشر الأصولية المتطرفة بداخل التشيع. فالصراع على المستوى الديني هو صراع بين التطرف المنشق من جهة، والاعتدال وسلامة الدول والدين والمجتمعات من جهة ثانية. وهو صراع مع التشيع الجديد الذي حوَّلته إيران إلى ميليشيات مسلحة جمعتها وسلطتْها على المجتمعات العربية للاستيلاء والشرذمة، وهي تحاول أن تجد لها «وظيفة» داخلية بعد ظهور «داعش»، وثوران العالم عليها!

نحن محتاجون لتقوية المؤسسات الدينية، ولحوارات مجتمعية واسعة بشأن الدين والدولة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جوزيف ليبرمان

جوزيف ليبرمان و مارك والاس يكتبان: كيف ينبغي على ترامب أن يعيد التفاوض حول الاتفاق النووي

جوزيف ليبرمان و مارك والاس مثل الرئيس الأميركي المنتخب، دونالد ترامب، عارضنا بشدة ...