الرئيسية / مداريات / نجوى بركات.. لغة السر.. الثورة الدائمة للعقل

نجوى بركات.. لغة السر.. الثورة الدائمة للعقل

الرابط المختصر:

مدار اليوم- زكريا السقال

بداية لابد من الاعتذار لهذا الكتاب الذي تمدد بين كتبي فترة زمنية طويلة، أمر به بين الرفوف سريعا، أغض طرفي عنه وأواصل بحثي عن عنوان أو ملف يشغلني. كما لابد من الاعتذار لتأخري في مطالعة هذا العمل الروائي الرائع، من الكاتبة المبدعة، نجوى بركات، التي عرفتها بلقاء عابر في برلين إثر ندوة أدبية شاركت بها مع عدد من الكتاب العرب، وقدر لي أن تضمنا مائدة عشاء دعينا إليها في جو عربي يتنادى إليه عادة المغتربون في بلاد المهجر.

أكان لابد من هذه المقدمة للدخول لعالم نجوى بركات الروائي من خلال روايتها لغة السر، الصادرة عن دار الآداب في بيروت، أم أن الأعمال المبهرة التي تحاصرك بمناخها وتلغي كل المساحات المحيطة بك تجعلك عاجزاً مسحوراً لاتعرف من أي البوابات تدخلها. الأعمال الكبيرة كالصروح المتعالية تبهرك وتدهشك وما أن تتمالك لقط أنفاسك حتى تصاب بالسكون، عليك التأني والاطراق والتمعن من أجل السير بأمان في هذا العالم الكبير والساحر.

لغة السر عمل تمتلك خيار قراءته ولكنك لاتمتلك خيار الفكاك منه. تنتهي صفحاته نعم. ولكن لا تنتهي لعنة حصاره الجميل.

اللغة هنا هي البطل أو الشخصية الأساسية للعمل، بغض النظر عن الشخصيات وأدائها، الشخصيات هنا تؤدي دور المخرج بمهارة عالية، ولا تخرج عن النص إلا بمقدار ما تحدده اللغة باعتبارها سيدة الموقف، واللغة عالم كبير، بِحار متلاطمة، اللغة هي الوحيدة القادرة على كبح وتفجير هذا العالم، اللغة هي الأداة السحرية التي اجترحت المعصية من خلال اجتراحها للسؤال،  واجترحت الابداع من خلال تفجيرها للشك والادراك.

تدخل نجوى بركات معركة شاملة وشائكة من خلال تعرضها لجدلية الصراع الوعر والمعقد، المحفوف بالمخاطر التي كثيراً لاتعطي الأمان والسلامة.

الصراع القديم الجديد في عالم وساحة الكشف الأول. المقدس…الآلهة…الدين…التابو…المطلق…الكمال..مجمل هذه التوصيفات اللغوية. المجهول…المرعب…القادر…الخالق، بمواجهة العقل المحرك الأساسي، الأسّ الأول للمعرفة من خلال الشك …التساؤل والبحث.

سلطتان تتصارعان بشدة وترخيان على الواقع نتائج معاركهما الدامية والقاسية في كثير من الأحيان، وتلتهم المعركة قرابينها بطرق تراجيدية ملحمية. اليقين والشك. اليقين الذي يطارد الشك، يترصده، يهدر دمه، يبيح زهق روحه. والشك الذي يزعزع طمأنينة اليقين من خلال هتك سره وضرب أساس سلطته. السؤال أداة البحث والاكتشاف لتعقيدات الواقع وتمزيق حجبه. كشف يفتح الطريق لضرب سلطة اليقين وخرافة إطلاقيته وقدرته من خلال ضرب سدنته وسلطته في الواقع.

مأساوية هذا الصراع أننا لا نكتشف أبطاله إلا وهم على الصليب، أو رأسهم على النطع. إلا أنهم يتطاولون ثانية على الواقع ويتفجرون لغة وأسئلة تميط اللثام للنور والضياء.

اللغة سلاح يستعمل في ساحة هذه المعركة، سلاح وحيد للعقل لاجتراح الشك والتساؤل للوصول الى الحقيقة، المطلق غالبا ما يلجأ لأسلحة أخرى، للقتل صلبا، حرقا، خوزقة أو رجماً، إلا أنه يؤكد في النهاية على ضعف استعماله للسلاح الأساسي(اللغة)، للمعجزة التي اجترحها واعتبر أنه يملك سرها وأبعاد مقاصدها ومراميها، اللوح المحفوظ، الطلسم الأزلي، المقدس المغلف بالتعاويذ المقتصر علمه ومعاينته على كهنة محددين، منذورين ومختارين.

العقل يستعمل نفس السلاح ولكنه افتضاض للغة وإطلاق لعنانها لتتحرر من اللوح المحفوظ، اللوح المدفون في سراديب مظلمة، لايُرى ولايُحس، وهم يكبر ليصبح سلطة، بقدر غموضه تتوسع سلطته، استبداده وسيطرته وصلاحياته لدرجة القتل.

قرية اليسر، القرية الآمنة المتحابة، قرية تؤدي الطاعة بكل الحب لأخوية الوفاء المسيطرة، راضية خاشعة لاتخرج عن تعاليمها، الشيخ الأكبر للأخوية قائد يعطي تعاليمه ضمن إطار الحفاظ على السلطة، صندوق اللوح لغز لايعرفه أحد. إحكام سريته شرط لاستمرار سلطته، والعلايلي الشيخ المتوقد الذي يخرج عن الحدود المرسومة من أجل استمرار السلطة وثقافة المحيط المرسومة بعناية والمسيجة باللعنة والنبذ والخروج عن الجماعة.

التمادي أكثر يعني القتل والصلب، ولكن العقل المنفلت بعد أن تسمم بالهواء ولفح بنار الشك يجعله يخرج عن الصراط الممدود، ابن جني يأخذه لعالم أكثر ثراء، الأحرف به محررة لاتخضع لتابو محدد – اختيار ابن جني من الكاتبة اختيار موفق لعلاقته بالمتنبي، وإشكالية المتنبي واللغة -. يُنبذ العلايلي، يُنفى ويُطرد، إبليس ولعنته ثانية، إبليس الرافض الأول والمشكك الأول. لكن اللعنة بقيت في اللوح، في الأسطورة. العلايلي هنا يقدم التفاحة لخلدون، تفاحة المعرفة. تنزل المعرفة من خرافتها المقدسة التي لايمتلكها إلا السدنة، الكهنة وتصبح هنا عرضة للعوام، للناس، لخلدون الوافد من القاع. رحلة المغامرة التي أوقعته بشراك أودت به ضمن أدوات معرفته لمواجهة الحقيقة العارية، الحقيقة التي مزقت الوهم والخرافة وأوقعت قرية اليسر بالتيه، مثل كل المعارف التي لاتدرك.

المجهول الضاغط يؤدي للتيه والتخبط، سرقة الأسطورة، يعني سرقة الوهم دون بدائل، دون إقناع، تخيم الهزيمة وتؤبد – هزيمة الخامس من حزيران مازالت جاثمة، الوهم الذي لبسنا عقوداً يتهاوى فجأة ويحطم كل شئ ماعدا السلطة.

يأتي المأمور لقرية اليسر، تأتي السلطة بالسجن والقيود لتضرب، خلدون يحاسب، يختفي. الشيخ الأكبر، السلطة، حارس اللوح (الخرافة)، يصل لطريق مسدود ينحر إن لم ينتحر، ينصب بعده العلايلي شيخ أكبر لأخوية الوفاء.

بناء نجوى بركات لا ينتهي بشراسة المعركة باعتبارها معركة الصراع مع الوهم والحقيقة، العقل والمقدس المحرم، لذا تركت الكاتبة عالمها مليئاً بالأسئلة الملحة والمشروعة. خلدون، هل سيظهر باسم آخر ووعي آخر؟ هل سننتصر للعقل بشكل يُمكّننا من افتضاض اللوح وضرب المقدس وتحرير كلماته؟ أم ستعاد سيرة العلايلي كتناقض داخل السلطة يحل لصالح السلطة ثانية؟ هل سيؤدي الشك بسراج لنفس الطريق، أم سيرفد خلدون ليظهر ثانية، أم سيكون لخلدون طريق آخر تجاه القضاء على خرافة هذا المطبق علينا؟

وأخيراً هل تقول نجوى بركات هذا في روايتها الجميلة؟ هل عنت شيئا آخر؟ هل توهمت أنا هكذا بناء؟ أم أن نجوى أرادت من روايتها دخول المنطق الصوفي وراحت تعبث به ضمن سياق تلوي هذا المنطق، لتبني صرحاً من جدل وصراع باللغة، وعاء المعرفة ووسيلة الطريق لهتك السر؟

نجوى قالت أكثر من ذلك والرواية تقف بناء شامخاً ولكنه مفتوح لريح التساؤل والشك والتأويل وما توهمته أنا، يبقى شطحة من شطحات الدراويش الذين يجاهدون من أجل الوصول، والغاية الوصل والاتصال.

ولابد أن أعترف أن نجوى بركات بأعمالها ورغم نيلها جائزة الإبداع الروائي عن عملها (باص الأوادم) عام 1997 من المنتدى الثقافي اللبناني، يبقى النقد مقصرا بحق هذه القامة الأدبية ولم تعطى إلى الآن حقها من إلقاء الضوء والتداول، وتبقى هذه المقالة دعوة مفتوحة لقراءة أعمال نجوى بركات لجدارتها وأهميتها كقامة في الرواية العربية.

موقع الشاعر نزار قباني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ادلب تتحدى تهديدات النظام بفعاليات أدبية ومسرحية في مركزها الثقافي

ادلب _ مدار اليوم تحدت فعاليات مدينة ادلب الثقافية تهديدات نظام الأسد ...