الرئيسية / مقالات / الجهل..قتل البشر وتدمير الحجر

الجهل..قتل البشر وتدمير الحجر

الرابط المختصر:

عبدالوهاب بدرخان – الاتحاد الإماراتية

عبدالوهاب بدرخان

لو كان الثور «الآشوري» المجنّح يرمز إلى الوحشية والبربرية، لما أقدم «الدواعش» على تحطيمه. إنه يرمز إلى القوة والحكمة والشجاعة والسمو، كما يقول الموروث الحضاري، وهي قيمٌ لا يراها «الدواعش» في أنفسهم، لأنهم خارج أي حضارة. إنه عمل فني متكامل يعود إلى ما قبل التاريخ، صمد لم يمسّه المغول، لم يتعرض له المسلمون. ومن الواضح أن «الدواعش» جاؤوا من/ أو عادوا إلى ما قبل قبل التاريخ. أجيال كثرة تعاقبت على كتب التاريخ وهي تحمل على أغلفتها وصفحاتها صورة الثور المجنّح، وانطبعت في أذهانهم. لم يبق منه الآن سوى هذه الصورة.

لن يتاح للأجيال الآتية أن ترى وتعاين مثل هذا العمل الفريد الذي ساهم، مع كم كبير آخر من الإبداعات القديمة، في تخليق إبداعية أجيال من عراقيي الفن والهندسة المعمارية المحدثين. لن يعود في الإمكان لمس تلك الأحجار المنتمية للأرض، ولا استشعار التعب والعرق في قولبتها، ولا استشفاف أرواح كامنة وراءها وشاهدة على قِدَم المكان. كان الآشوريون يعرفون أن حضارتهم بادت وانتهت، لكن كوامن كثيرة في دواخلهم وظواهرهم كانت تقول إن نينوى لم تكن ممراً وجد مهجّروهم أماناً فيها فاستقرّوا، بل وجدوا فيها منذ ما قبل المسيحية والإسلام. وبمرور آلاف السنين لم يعودوا يتصوّرون أن شيئاً مثل «داعش» يمكن أن يقتلعهم، أن ينهي رسوخهم العميق هذا في المكان والزمان.

في العراق كما في سوريا، حيث للبشر والحجر تاريخ من التواصل، لم تقتصر همجية الاقتلاع والتهجير والتشريد، في العقدين الأخيرين، على جلاد واحد وضحية واحدة. فلعبة الطغاة المحليين وخالعي الطغاة الخارجيين تقلّبت طويلاً بين تواطؤ وعداء إلى أن أزفت نهايتها، من دون أن يتدبّر أحد ما سيكون عليه اليوم التالي. فإذا بطغاة صغار محليين يرثون الطغاة الكبار، ويستنسخون جرائمهم، بالتواطؤ مجدَّداً مع خالعي الطغاة الخارجيين. وهكذا حلَّ زمن الحروب الأهلية ولم يعد السكان يأمنون لهوياتهم الدينية، إذ باشر التطهير المذهبي والديني باكراً بتهجير السنّة والمسيحيين إلى داخل العراق وخارجه. أما في سوريا فأمكن للنظام خلال أقل من ثلاثة أعوام أن يحرّك أكثر من نصف السكان إلى داخل البلاد وخارجها. ثم حل زمن إرهاب «ما بعد القاعدة»، إرهاب «داعش»، وقد جرى تصنيعه في السجون من بغداد صدّام، إلى بغداد أميركا إلى بغداد المالكي، ومن دمشق الأسد الأب والابن.

في غضون شهور قليلة أعاد هذا التنظيم الإرهابي الحياة في مناطق سيطرته إلى ما قبل الإسلام، إذ لا علاقة له بأي دين، بل إلى ما قبل التاريخ، جامعاً بين طقوس قاطني الكهوف والمغارات وبين التقنيات الإلكترونية التي تعلمها «الجهادي جون» واختزلها بسكين يذبح بها رهائنه «الكفّار»، ومن يُفترض أنهم أبناء دينه لكنهم لا يقرّون وحشيته وأساليبه. وفيما احتشد تحالف دولي مدجج بأحدث القنابل و«أذكاها» لإبادة هذا الجنس البشري الهجين، واصلت القوى نفسها التي أنتجت «داعش» في شحذ انحطاطه واستفزاز إجرامه، وكذلك في تغذية صفوفه بمن يريدون التمتع بالحياة المنفلتة وتجريب هذه الإبادة المنظّمة. أيهما أخطر: «داعش» أم من صنعه؟ ثمة عقل واحد يربط بينهما. فالاستبداد الذي دمّر المدن والعمران والنسيج الاجتماعي في العراق وسوريا ما لبث أن أنتج الإرهاب، أما استبداد ما بعد الاستبداد الذي يدمّر التراث والذاكرة جاء لتوّه بإرهاب ما بعد الإرهاب.

إراقة دماء الناس فاجعة بشرية، وذبح ثقافة بكاملها كارثة إنسانية، وكلاهما يحفر عميقاً في النفوس. لا يجهل «الدواعش» قيمة الآثار لأنهم يتموّلون جزئياً من بيعها، مقلّدين عملاء الأنظمة من مهرّبين وسماسرة الحروب وتجار جثث وأعضاء البشرية. وتلك الثقافة السوداء البديلة هي التي سوّلت هدم الشواهد باعتبارها أصناماً، وإحراق مئات آلاف الكتب والمخطوطات على أنها مفسدة للإيمان. استخدم نفر من الرعاع القنابل لتدمير مكتبة الموصل خلال لحظات، ثم أشعلوا النار فيها، وكان أكثر من مئة عائلة توارثت على مرّ العهود رعاية المكتبة وتزويدها بالكتب والصحف. بذل الأهالي كل جهد لإقناع «الدواعش» بعدم التعرض لهذه الثروة العلمية، ومع ذلك فإن عشرات المكتبات الأخرى التي شهدت على التنوّع الديني والثقافي في الموصل لم تعد موجودة. كان مَن نحتَ الثور المجنّح عاش في القرن السابع قبل الميلاد، وكان أقدم مخطوطات المكتبة يعود إلى القرن السابع بعد الميلاد، أما الأيدي التي تحطّم وتدمّر وتحرق فينتمي أصحابها إلى أيامنا هذه، إلى ما يُفترض أنه ذروة الحضارة.

موقع الشاعر نزار قباني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عبد المنعم سعيد يكتب: التحالف الاستراتيجي العربي

عبد المنعم سعيد الدرس الذي تعلمناه في مجال العلاقات الدولية، والذي علّمناه ...