الرئيسية / مقالات / الأمن القومي و«الثقافة الاستراتيجية»

الأمن القومي و«الثقافة الاستراتيجية»

الرابط المختصر:

السيد يسين – الاتحاد الإماراتية

السيد يسين

عرضنا في مقالنا الماضي «خريطة معرفية للأمن القومي» للأبعاد الرئيسية لنظرية الأمن التقليدية التي سادت مفاهيمها في العالم لعقود طويلة، والتي تقوم أساساً على تحديد مصادر التهديد للدولة والأساليب المختلفة لمواجهته مع التطبيق على الحالة المصرية. غير أن هذه النظرية أتيح لها أن تتغير تغيراً جوهرياً في الواقع، بعد ظهور مفهوم «الثقافة الإستراتيجية»، وذلك في السبعينيات. والسؤال المبدئي الذي طرحه المفكر الأميركي «سنايدر» الذي صاغ المفهوم عام 1977 هو التالي «هل التحليل الثقافي يمكن أن يعطينا فهماً له دلالة عن التفاعلات الاستراتيجية»؟

وقرر رداً على السؤال الذي طرحه أن هذا المفهوم الذي ابتدعه بالغ الأهمية لوصف وتفسير ما يمكن أن نطلق عليه «السلوك الاستراتيجي» لدولة ما. ويرى «سنايدر» أن «الثقافة الاستراتيجية»، هي مزيج من الأفكار الخاصة بالأمن القومي، والتي يشترك في تبنيها أعضاء مجتمع الأمن الاستراتيجي (القادة العسكريون والخبراء) فيما يتعلق بالاستراتيجية الشاملة للدولة».

ويشير «جولشتون» إلى أن الثقافة الاستراتيجية هي «بيئة فكرية تحدد الخيارات السلوكية لدولة ما في مجال الحرب والسلام، أو هي بعبارات أدق نسق متكامل الرموز، ونعني الحجج المنطقية والاستعارات والمجازات اللغوية المختلفة، والتي تصف الأعداء الذين يمكن أن يمثلوا تهديداً للدولة». مثال ذلك، الثقافة الاستراتيجية العربية في نظرتها لدولة إسرائيل، باعتبارها تمثل مصدر التهديد الرئيسي للأمن القومي العربي، ونجد في مجال تبرير السلوك العربي إزاءها – على سبيل المثال- عبارة «أن الصراع العربي الإسرائيلي هو صراع وجود، وليس صراع حدود».

مثل هذه «المسلمة الاستراتيجية» كانت تمثل صميم الثقافة الاستراتيجية العربية في مواجهة إسرائيل قبل أن تعقد بعض الدول العربية -وفي مقدمتها مصر والأردن- معاهدات سلام معها.

وأنا في الواقع، لا أريد أن أناقش مفهوم الثقافة الاستراتيجية مناقشة نظرية، لأنها حافلة بالخلافات المنهجية بين الباحثين، لذلك أفضل أن استوحي مفهوم «الثقافة الاستراتيجية» لكي أقدم نموذجاً لأهمية تجديد مفاهيم الأمن القومي السائدة، والتي تحتاج في الواقع إلى نموذج معرفي جديد أكثر قدرة على التعامل مع عصر العولمة، وخصوصاً فيما يتعلق بالثورة الاتصالية الكبرى التي ميزته عن غيره من العصور، وفي مقدمتها البث التلفزيوني الفضائي، والذي يسمح للناس في كل مكان متابعة الأحداث العالمية والإقليمية والمحلية في الوقت الواقعي لحدوثها real time، ما يساعد على تكوين وعي كوني، وأهم منه شبكة الإنترنت التي سمحت لأول مرة في تاريخ الإنسانية بالتفاعل المتنوع في المجالات السياسية والثقافية والاتصالية بين أفراد البشر جميعاً. ونقطة البدء في النموذج المعرفي الجديد للأمن القومي الذي أريد تقديمه تتمثل في مبدأ أساسي من مبادئ «علم اجتماع المعرفة» وهو الربط الوثيق بين أي ظاهرة والسياق الذي تحدث في إطاره. وهكذا – بلغة ما بعد الحداثة- إذا كان الأمن القومي يمثل «نصاً» Text نحتاج إلى فك شيفراته، فإن ذلك لا يمكن أن يتم بغير تحليل «السياق» الذي يمارس فيه فعالياته.

وهكذا لا يمكن فهم «نص» الأمن القومي المصري بمعنى مسلماته ومبادئه بغير تحليل «السياق العالمي الراهن» وهو العولمة، ولذلك ينبغي في البداية أن نحدد المفتاح الرئيسي لفهم هذه العملية السياسية والاقتصادية والثقافية المعقدة. وقد قرر المفكر الأميركي البارز «كاستلز» أن التعريف الدقيق بهذا المفتاح المعرفي الأساسي هو «المجتمع الشبكي». بعبارة أخرى لابد لفهم المجتمع المعولم المعاصر في ضوء مفهوم الشبكة Network لكي نفهم العالم في حالة السلم وفي حالة الحرب على السواء. ويكفي في هذا الصدد أن نذكر أنه تحت تأثير مفهوم «الشبكة» ظهر نموذج معرفي جديد في الأمن القومي، والذي أصبح يعتمد على نوعين من الحروب، حرب الشبكات net war والتي تستخدمها عصابات تجار الأسلحة والمخدرات وأخطر من ذلك التنظيمات الإرهابية، والحرب السيبرانية cyber war، أو الحرب الفضائية.

موقع الشاعر نزار قباني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسين معلوم يكتب: قمة هلسنكي ومحاولة اختراق واشنطن التحالفات الدولية

حسين معلوم هل هي مصادفة أن يأتي الاجتماع الرسمي الأول بين الرئيسين ...